اجعلوا من الهمّ نسيانًا ..!
بقلم : د/ سلمان الغريبي
رئيس قسم المقالات
--------------------------
مقولةٌ كانت ترددها والدتي -يرحمها الله- عندما تحسّ بأننا مهمومون من شيء ما : "اجعل من الهمّ نسيانًا وربك يفرجها، وخلك في اللي أنت فيه، واللي عقد رؤوس الحبال يحلها"..
هكذا كانت حياتنا وتربيتنا السابقة، وكانت خاليةً من الهموم والغموم بسبب هذه المقولات ومتابعة الآباء والأمهات، رحم الله من مات منهم وأسكنهم فسيح جناته، وحفظ الذين يعيشون بيننا وبارك لهم وبارك لنا فيهم ومَدَّ في أعمارهم ، كانت كلماتٍ بسيطة لكنها كانت في مجملها عظيمةً ودواءً لنا وراحة بال؛ لم تكن أمهاتنا يحملن شهادات ولا يقرأن كتب التنمية البشرية ، لكنهن كنّ يحملن يقينًا بالله يفوق كل الكتب، وتربيةً تفوق كل المجلدات بالحس والإدراك وتنمية الذات ..
"اجعل من الهمّ نسيانًا" لم تكن دعوةً للهروب، بل كانت تربيةً على التوكل على الله، بألا تنام وهمّك فوق صدرك يصارع فيك، بل اطرحه على باب ربٍّ رؤوفٍ رحيم ونَمْ قرير العين. "وربك يفرجها" كانت تزرع فينا أن الفرج ليس بيد مدير ولا وزير ولا قريب، بل بيد من خلقنا، وأن الليل مهما طال فالفجر قادمٌ بالخير قريب . "وخلك في اللي أنت فيه" كانت تعلمنا التركيز، لا تشتت نفسك في أمور هي في عالم الغيب، قم بواجبك اليوم على أكمل وجه، وأحسن عملك الآن، ولا تحمل همّ غدٍ لم يأتِ بعدُ . "واللي عقد رؤوس الحبال يحلها" ما أجملها من حكمة..! أي إن الذي عقدها قادرٌ على حلها، الله سبحانه وتعالى، فلماذا الخوف والقلق ..؟!
هكذا كانت حياتنا السابقة، قلوبٌ طيبة راضية، وبيوتٌ بالخير والصلاح والحب عامرة دافئة، ونومٌ هنيء في سطوح عالية، لأن الآباء والأمهات كانوا قريبين، يتابعون، يوجهون، يمسحون على الرأس، ويقولون كلمةً تطفئ نار الهموم والغموم مهما عظمت .. أما اليوم ، فتعددت الهموم لأننا ابتعدنا عن تلك المجالس؛ صار الابن يشكو همّه لجهازه أو لأصدقاء السوء في المولات أو المقاهي ونسي أو تناسى البيت وجمعة الأهل والأقارب، والبنت تبث حزنها للغرباء عبر قنوات التواصل الاجتماعي ، ونسوا "اجعل من الهمّ نسيانًا" بالعقل والحكمة في بيتٍ يجمعهم ويخاف عليهم من تصاريف الزمن ..
فيا رب ارحم أمي وأمهاتكم واغفر لهن/ لهم ، ويا ليتنا نعود لتلك المقولات، لنربي بها أبناءنا وبناتنا، ونذكر بها أنفسنا، فوالله ما ضاقت إلا لتفرج، وما تعسرت إلا لتتيسر عاجلاً أو آجلاً .. وختامًا(محصلة الكلام) : اجعل من الهمّ نسيانًا كما أسلفنا ، ولكن اعمل بجد واعقلها وتوكل .. توكل على الرحمن الرحيم الذي لا تضيع ودائعه .