|

ديوانية الحركان.. مجلس للكرم والأدب والثقافة

الكاتب : الحدث 2026-10-04 11:08:06

بقلم ــ محمد العتيّق

تنتشر ديوانيات الأدب والمجالس الثقافية في مختلف أرجاء المملكة العربية السعودية، وهي صورة جميلة من صور المجتمع السعودي الذي عُرف منذ القدم بحب الاجتماع، وكرم الضيافة، وحسن الاستقبال. فالمجلس في حياة السعوديين لم يكن مجرد مكان للجلوس وتبادل الأحاديث، بل ظل مساحة رحبة يلتقي فيها الناس، ويتبادلون المعرفة والخبرات، ويستمعون إلى أصحاب الفكر والأدب والتجربة، ويتعرفون على مسيرتهم وما قدموه في مجالاتهم المختلفة.

والشعب السعودي بطبيعته محب للاجتماع، كريم في ضيافته، حريص على أن يكون مجلسه مفتوحًا للناس. ومع ما أنعم الله به على هذه البلاد من أمن وأمان واستقرار وعافية، أصبحت المجالس الثقافية والأدبية أكثر حضورًا في المشهد الاجتماعي، وأصبحت مساحة جميلة للحوار واللقاء والاستماع إلى تجارب الآخرين، خصوصًا أولئك الذين كانت لهم مسيرة حافلة في خدمة الوطن أو في مجالات الأدب والفكر والإعلام والفن وغيرها.

ولعل أجمل ما في هذه الديوانيات أنها لا تكتفي باستضافة الأشخاص، وإنما تستضيف تجاربهم أيضًا؛ فتمنح الحاضر فرصة لأن يعرف كيف بدأ الضيف، وما الصعوبات التي واجهها، وكيف شق طريقه، وما الذي ساعده على الاستمرار، وما الذي أوصله إلى المكانة التي وصل إليها. وهذه التجارب في حد ذاتها ثروة معرفية تستحق أن يسمعها الناس وأن تُحفظ في الذاكرة.

وقد تشرفت خلال الفترة الماضية بحضور عدد من الديوانيات والأمسيات الثقافية الأسبوعية، ولكل ديوانية طابعها الخاص وضيوفها وروادها، إلا أنني وجدت في ديوانية الشيخ حمد الحركان، رحمه الله، وأبنائه نموذجًا مختلفًا يستحق الإشادة وتسليط الضوء عليه؛ لما تتميز به من استمرارية، وحسن استقبال، وعناية بالضيوف، وحسن اختيار للمتحدثين، وثراء في الموضوعات التي تُطرح في لقاءاتها.

هذه الديوانية التي أسسها الشيخ حمد الحركان، رحمه الله، لم تتوقف برحيله، بل واصل أبناؤه هذا النهج، وحافظوا على هذا الإرث الجميل، ويتولى اليوم ابنه البار الأستاذ نزار الحركان جانبًا كبيرًا من مسؤولية الديوانية وإدارة لقاءاتها، امتدادًا لما عُرف به والده من كرم وحسن استقبال وحرص على أن يكون المجلس ملتقى لأهل الأدب والفكر والثقافة.

ومنذ أن تصل إلى الديوانية، يلفت انتباهك قبل كل شيء صاحبها؛ طلاقة المحيا، والابتسامة الحاضرة، وحسن الاستقبال، والأدب الجم في التعامل. وهي صفات قد يصفها البعض بأنها أمور بسيطة، لكنها في الحقيقة هي التي تصنع الفرق بين مجلس وآخر. فأنت حين تدخل مجلسًا وتشعر منذ اللحظة الأولى أنك بين أهلك، وأن حضورك محل تقدير، فإنك تشعر براحة تجعلك أكثر قربًا من المكان وأكثر حرصًا على العودة إليه.

والأستاذ نزار الحركان، بما عُرف عنه من بساطة وكرم وحسن تعامل، يجعل كل من يحضر الديوانية يشعر بأنه ضيف رئيسي في هذا المكان، مهما كانت مكانته أو مجاله. بل إنك قد تشعر بشيء من الحرج أمام هذا القدر من الحفاوة، خصوصًا حين ترى صاحب المكان يستقبلك بابتسامة صادقة وأدب رفيع، دون تكلف أو تصنع.

وتُقام الديوانية أسبوعيًا على مدار العام، وهو أمر يستحق التقدير؛ فالاستمرارية ليست سهلة، والمحافظة على موعد أسبوعي طوال العام تحتاج إلى جهد وتنظيم وحرص. كما تختلف أماكن انعقادها باختلاف فصول السنة، بما يتناسب مع الطقس والوقت، لكن روح الديوانية تبقى واحدة، ويبقى الحضور على موعد مع لقاء جديد وضيف جديد وتجربة جديدة.

ولا تقف الديوانية عند اللقاءات الأدبية والثقافية والاجتماعية فحسب، بل تراعي المناسبات الوطنية، ولها فيها حضور واضح ونصيب كبير من برامجها واستضافاتها. فتمنح المناسبات الوطنية ما يناسبها من اهتمام، وتستضيف من يتحدث عنها، وتفتح المجال للحديث عن الوطن ومنجزاته وتاريخه وما يعيشه من نهضة، بما يتناسب مع قيمة المناسبة ومكانتها. وهذا الحضور للمناسبات الوطنية يعكس وعيًا بأهمية أن تكون المجالس الخاصة جزءًا من المشهد الوطني العام، وأن يكون للوطن ومناسباته مكانهما الطبيعي في هذه اللقاءات.

وفي كثير من اللقاءات، ومع بداية الجلسة، لا تكاد تجد مكانًا لك رغم اتساع المجلس، وهو مشهد يعكس حجم الحضور والاهتمام بما تقدمه الديوانية. فالناس لا تأتي لمجرد الحضور، وإنما تأتي لأنها تعرف أنها ستجد موضوعًا يستحق الاستماع، وضيفًا لديه ما يقوله، ومضيفًا يعرف كيف يجعل اللقاء ممتعًا ومفيدًا في الوقت نفسه.

ومن أبرز ما يميز ديوانية الحركان أن الأستاذ نزار لا يكتفي بدور المضيف، بل يتولى إدارة اللقاءات بنفسه. وهو في ذلك يمتلك قدرة واضحة على إدارة الحوار، لما لديه من سعة اطلاع وثقافة واسعة ومعرفة بمختلف المجالات. ومهما اختلف الضيوف وتنوعت تخصصاتهم ومشاربهم، تجد لديه قدرة على الدخول في موضوعاتهم، وطرح الأسئلة المناسبة، واستخراج أفضل ما لدى الضيف من معلومات وتجارب.

وإدارة الحوار ليست أمرًا سهلًا؛ فهي تحتاج إلى معرفة بالموضوع، وإلمام بتفاصيله، وحضور ذهني، وقدرة على الاستماع، ثم الانتقال بالحوار من فكرة إلى أخرى دون أن يفقد انسجامه. وفي ديوانية الحركان تجد هذه المهارة حاضرة بصورة واضحة، فيتحدث الضيف بأريحية، ويستمع الحاضر دون ملل، ويخرج الجميع من اللقاء وقد حملوا معهم شيئًا جديدًا.

ولعل ما يزيد الديوانية تميزًا أن ضيوفها ليسوا على نمط واحد، بل تتنوع تجاربهم ومجالاتهم، وهذا التنوع يمنح المجلس حياة مختلفة في كل أسبوع. مرة يكون الحديث عن الأدب، ومرة عن الإعلام، ومرة عن تجربة شخصية أو مسيرة مهنية أو قضية ثقافية واجتماعية أو مناسبة وطنية، وفي كل مرة يجد الحاضر ما يستحق الإصغاء.

إن مثل هذه المجالس ليست مجرد لقاءات اجتماعية عابرة، بل هي جزء من الحراك الثقافي والاجتماعي الذي تعيشه المملكة، وهي صورة من صور العطاء المجتمعي الذي يقدمه أفراد هذا الوطن من خلال وقتهم وجهدهم ومجالسهم وخبراتهم. ولذلك فإن تسليط الضوء عليها ليس مجاملة لأحد، وإنما هو واجب إعلامي تجاه النماذج الجميلة التي تستحق أن يعرفها الناس.

ونحن، كإعلاميين وكتاب رأي، مسؤولون عن إظهار هذه النماذج المضيئة في وطننا الغالي، وعن الحديث عن أبناء الوطن الذين يقدمون ما يستطيعون في مجالاتهم المختلفة. فليس كل عمل يبحث عن الأضواء، وليس كل عطاء يقف صاحبه ليحدث الناس عنه، ولذلك يأتي دور الإعلام في أن يلتقط هذه الصور الجميلة، ويقدمها للناس كما هي، بعيدًا عن المبالغة والمجاملة.

وديوانية الشيخ حمد الحركان، رحمه الله، وأبنائه، بما تقوم به من لقاءات أسبوعية، وما تحرص عليه من استضافة شخصيات وتجارب متنوعة، وبما تتميز به من كرم الضيافة وحسن إدارة الحوار، وحضورها في المناسبات الوطنية، تمثل نموذجًا مميزًا في منطقة القصيم، ولا أجد مبالغة في القول إنها نموذج يمكن أن يحظى بالتقدير على مستوى المملكة.

إنها ديوانية تحمل اسم رجل رحل، لكن أثره بقي حاضرًا، وحافظ أبناؤه على هذا الأثر، وجعلوا من استمرار الديوانية وفاءً لوالدهم، وإضافة جميلة إلى مجتمعهم. وما أجمل أن يتحول إرث الآباء إلى عمل مستمر ينتفع به الناس، وأن تبقى المجالس عامرة بأهلها، وأن يبقى الكرم عادة متوارثة لا تنقطع برحيل أصحابها.

رحم الله الشيخ حمد الحركان، وجزاه خير الجزاء عما قدم، وبارك في أبنائه، وفي مقدمتهم الأستاذ نزار الحركان، وكتب لهم الأجر على ما يقدمونه لوطنهم، ولضيوفهم،