|

" علّمني أبي "

الكاتب : الحدث 2026-01-02 09:50:44

بقلم / محمد خواجي 

في الذكرى الثالثة لرحيل والدي رحمه الله :
 (عبد الغني خواجي) ،  أستعيد الحزن و أستحضر الأثر.
فبعض الرجال لا تُختصر سيرتهم في تاريخ ميلاد أو وفاة، بل في القيم التي يتركونها تمشي بين الناس بعدهم.

لم يكن أبي رجل أضواء،
لكنه كان ثابتًا في المواقف،
حاضرًا في المسؤولية،
وصادقًا في أبسط تفاصيل الحياة.
علّمني منذ الصغر أن الرجولة لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما يُفعل باسمها.

علّمني أبي أن العمل عبادة ،
وأن السعي الشريف لا يحتاج إلى ضجيج،
وأن الإنسان قد يرحل،
لكن أثره هو الذي يقرر إن كان سيُنسى أم لا.

كان يعلّمني بالصمت أكثر من الحديث،
وبالمثال أكثر من النصيحة.
حين أخطئ، لم يكن يرفع صوته،
بل يرفع سقف توقعاته مني،
وكأن رسالته الدائمة:
«أنت تستطيع.. أنت لها..».

قبل ثلاث سنوات، غاب أبي عن أعيننا،
لكن حضوره لم يغادر حياتي.
في كل قرار مصيري،
وفي كل لحظة تردّد،
أجدني أستحضر منطقه،
وأقيس الأمور بميزانه قبل أن أحسم قراراتي .

علّمني أبي أن الأسرة أمانة،
وأن المسؤولية لا تُؤجّل،
وأن الوقوف مع الأهل وقت الشدّة
هو أعلى مراتب الوفاء.
كما علّمني أن التواضع لا يُنقص من الهيبة،
بل يزيدها ثباتًا واحترامًا.
و بأن الكلام في ظهر الأشخاص جُبن و ليس تسلية. 

ولأن الشعر أصدق ما يُقال حين تعجز العبارة،
فإن بيتًا واحدًا يكفي ليختصر المعنى:

 لو أمطرتْ ذهبًا منْ بعدِ ما ذهبا
لا شيء يعدلُ في هذا الوجودِ أبا

اليوم، وبعد ثلاث سنوات من الفقد،
أدرك أن الآباء لا يرحلون كاملين،
هم يسكنون أبناءهم،
في أخلاقهم، في خياراتهم،
وفي الطريقة التي يواجهون بها الحياة.

رحم الله عبد الغني خواجي،
وجعل ما قدّمه لنا أنا و أمي و أخوتي في حياته صدقة جارية لا تنقطع،
وجعل ذكراه حيّة فينا ما حيينا.

وكلما قيل لي يومًا:
«هذا رجل يُعتمد عليه»،
أبتسم في داخلي وأقول:
هكذا " علّمني أبي" .

ومضة :
رحم الله أبي و رحم موتانا و موتى المسلمين أجمعين .

[١٣-٧-١٤٤٧هـ]