|

جدة لا تُشبه أحد… ولهذا تُربك الجميع

الكاتب : الحدث 2026-01-05 05:01:03

🖊️ خيرية حتاته

ليست جدة مدينةً سهلة الفهم، ولا تُجيد تقديم نفسها في قالب واحد. كل محاولة لاختصارها تُربك من يحاول، وكل صورة تُلتقط لها تبدو ناقصة، لأنها مدينة لا تُعرّف نفسها للآخرين، بل تتركهم يكتشفونها بطريقتهم الخاصة.

جدة لا تُشبه أحد، ولهذا لا تُجيد أن تكون نسخة مما يُتوقَّع منها. المدن عادةً تُحب أن تُصنَّف: سياحية، تاريخية، حديثة، صاخبة. أما جدة، فتفلت من كل تصنيف. لا لأنها تفتقر إلى هوية، بل لأنها تمتلك أكثر مما يُحتمل من الهويات المتداخلة.

هي مدينة تتعايش فيها التناقضات دون صراع: القديم إلى جوار الحديث، البساطة قرب الفخامة، البحر بمحاذاة الإسفلت، والذاكرة جنب التغيير. جدة لا تطلب منك أن تُحبها، ولا تُقدّم نفسها باعتبارها “الأجمل” أو “الأفضل”. هي فقط موجودة، بثقلها الإنساني، وطبقاتها التي لا تُكشف من الزيارة الأولى.

من يعرفها حقًا، لا يصفها، بل يشعر بها. يشعر بها في إيقاع الحياة المختلف، في اللهجة، في طريقة التعامل التي لا تُشبه المدن المنضبطة أو المتشددة، بل مدينة تعلّمت أن تتسع للجميع.

ما يُربك في جدة أنها لا تتصنّع العمق، ولا تُعلن عنه. العمق فيها عفوي، يظهر في التفاصيل الصغيرة: حكايات الناس، الأحياء التي تحمل ذاكرة أكثر من الأسماء، والعلاقات الإنسانية التي تُبنى على القبول لا على الشكل.

جدة مدينة تُشبه الإنسان حين يكون صادقًا مع نفسه، غير مكتمل، لكنه حقيقي. 

ولهذا تُساء قراءتها كثيرًا. البعض يراها مدينة “مفتوحة” بشكل سطحي، والبعض يختزلها في البحر أو الكورنيش أو الفعاليات. لكنها ليست حدثًا موسميًا، ولا خلفية جميلة للصور. هي مدينة تعيش يومها بهدوء، وتحتفظ بأسرارها لمن يطيل البقاء. من يعبرها سريعًا، لن يراها. من يسكنها فعلًا، يدرك أنها لا تُحب الضجيج حولها. 

جدة تُربك لأنها لا تحاول إرضاء أحد. لا تتغير لتُعجب، ولا تعيد تشكيل نفسها لتتماشى مع صورة جاهزة. هي مدينة تصنع أبناءها كما هم، لا كما يُراد لهم أن يكونوا.

في زمن تُشبه فيه المدن بعضها، وتتنافس في الشكل والصورة، تقف جدة في زاوية مختلفة. لا تقول: “انظروا إليّ”، بل تقول: “تعال إن أردت، وافهم إن استطعت”. 

جدة لا تُشبه أحد، ليس لأنها استثناء، بل لأنها اختارت أن تكون نفسها. وهذا وحده كافٍ ليُربك الجميع.