مكة البهية .. الحبُ والعِشقُ والهِيام
بقلم: د/ سلمان الغريبي
نعم .. إنها مكة المكرمة يا سادة يا كرام، التي شرّفها الله ورفع شأنها وأعلاها على سائر أراضي الكون كافة. فعن أي أرضٍ نتكلم؟!
إنها أرض المقدسات والرسالات، اختارها الله، وشرّفها بوحيه وكرمه، وجعلها قبلةً للعالمين أجمعين. إنها الأرض التي قال فيها رب العزة والجلال:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾.
أرضٌ رفع قواعد بيتها سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ودعوا الله أن يجعلها بلدًا آمنًا وفضّلها على سائر بلاد العالمين، فاستجاب لهما فقال:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾.
إنها مكة يا كرام، وعن أي أرض نتكلم؟ إنها مهبط الرسالة، ومولد خاتم الأنبياء ﷺ. منها انطلقت دعوة التوحيد لتمحو ظلام الشرك، ومنها هاجر النبي ﷺ ليعود إليها فاتحًا متواضعًا، فرحًا بما منّ الله عليه.
لأجل مكة جعلها الله حرمًا آمنًا إلى يوم القيامة. يقول تعالى:
﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾.
لا يُختطف طيرها، ولا يُعضد شجرها، ولا تُلتقط لقطتها إلا لمنشد. حرمةٌ وضعها الله قبل أن يخلق الخلق، وجعلها مثابةً للناس وأمنًا.
يفد إليها القاصي والداني، تذوب فيها الفوارق، وتتوحد الألسنة والألوان على كلمة "لبيك اللهم لبيك". فتجد فيها قلب الإسلام النابض.
فمن أراد أن يتكلم عن مكة فليتكلم بأدبٍ واحترام، فإنها الحب والعشق والهيام. هي ليست أرضًا كسائر الأراضي، ولا مدينةً كغيرها من المدن. هي حرم الله، وقبلة المسلمين، ومحضن الوحي، ومهد الرسالة الخالدة.
ومن هنا كان واجب أهلها وحماتها وقاصديها أن يصونوها من كل عبث، وأن يحفظوا أمنها وأمانها، وأن يكونوا دروعًا بشرية دونها. فمن أرادها بسوءٍ قصمه الله، ومن أراد لها خيرًا أعانه الله وسدّد رميه وخطاه.
وكرّمها الله وأنعم عليها بقيادة حكيمة رشيدة تبذل الغالي والنفيس لخدمتها، والسهر على راحة ساكنيها من مواطنين ومقيمين، وقاصديها من ضيوف بيت الله الحرام للزيارة أو العمرة أو الحج.
فاللهم احفظ مكة المكرمة وأهلها وقاصديها وسائر بلاد المسلمين من كل شر ومكر وسوء ومكروه، واجعلها آمنة مطمئنة سخاءً رخاءً، وسائر بلاد المسلمين أجمعين.
إنها مكة الحب كله، وحبها من حب الرسول ﷺ لها في قوله عليه الصلاة والسلام، والرواية كاملة كما وردت في كتب السنة - مثل جامع الترمذي - هي:
«وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَوْلاَ أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ».
وهي العشق كله، نعشق ترابها وأرضها وسماءها وهواءها. وهي الهيام كله، نهيم بأرواحنا في أرجائها وفي كل ناحية فيها، هيامًا بين الصفا والمروة، وفي الطواف، وعند الملتزم. وشربة ماء من زمزم تشفي الروح وتنعشها، وتطفي عطشها، وتطيّبها، وترتاح من قلقها وتعبها وعنائها.
إنها مكة الحب والعشق والهيام، التي تستقبل هذه الأيام ملايين البشر من جميع أرجاء المعمورة لأداء مناسك الحج، والطواف، والسعي في بيت الله الحرام، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة ومنى، والحلق، والنحر، ورجم الجمرات.
إنها مكة المكرمة، مكة البهية، مكة النور والشعاع والضياء. مكة أطهر بقعة على وجه الأرض. من أراد فيها إفسادًا جاءه العقاب من رب السموات السبع والأرضين من حيث لا يدري ولا يحتسب. يقول تعالى:
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
فهل بالله عليكم بعد كل هذا الشرف شرف؟!