المسؤولية المهنية بين الأمانة والإتقان
أ.د. محمد بن على مباركي
أستاذ جامعي عضو مجلس الشورى
في ظل تسارع بيئات العمل وتزايد التحديات المهنية، تبرز الحاجة إلى ترسيخ مفهوم المسؤولية المهنية كقيمة أساسية لا تقوم المؤسسات بدونها. ومن منظور إسلامي، لا تُعد المسؤولية مجرد التزام وظيفي، بل هي أمانة يُسأل عنها الإنسان أمام الله قبل أن يُحاسَب عليها إداريًا.
يؤكد الإسلام على أن كل عمل يقوم به الإنسان هو موضع مساءلة، كما جاء في الحديث: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». هذا المفهوم يضع الموظف، أيًا كان موقعه، أمام واجب أخلاقي يتجاوز حدود الوصف الوظيفي ليشمل الإخلاص، والصدق، وتحمل النتائج.
ومن أبرز مظاهر المسؤولية المهنية في الإسلام إتقان العمل، حيث يقول نبي الأمه عليه افضل الصلاه والتسليم : «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه». فالإتقان ليس خيارًا إضافيًا، بل جزء من هوية المسلم المهنية. الإهمال أو التقصير لا يُعد مجرد خلل إداري، بل إخلال بقيمة دينية أصيلة.
كما تشمل المسؤولية المهنية النزاهة في التعاملات، سواء في المال العام أو الخاص، وتجنب كل أشكال الغش أو الاستغلال. فالموظف الذي يحافظ على وقته، ويؤدي عمله بصدق، ويبتعد عن المصالح الشخصية الضيقة، يعكس فهمًا حقيقيًا لمعنى الأمانة.
ولا يقتصر الأمر على الفرد، بل يمتد إلى بيئة العمل ككل. فالمسؤول الذي يعدل بين موظفيه، ويهيئ بيئة عادلة ومحفزة، يحقق جانبًا مهمًا من المسؤولية. والقيادة في الإسلام ليست سلطة بقدر ما هي تكليف قائم على العدل والرحمة.
في المقابل، فإن غياب المسؤولية المهنية يؤدي إلى ضعف الإنتاجية، وتراجع الثقة، وانتشار الفوضى الإدارية. وهي مظاهر لا تعكس فقط خللًا إداريًا، بل ضعفًا في استحضار القيم الأخلاقية في العمل.
ختامًا، فإن استحضار البعد الديني في العمل لا يعني الانفصال عن المعايير الحديثة، بل يعززها. فحين يجتمع الوازع الداخلي (الرقابة الذاتية) مع الأنظمة المؤسسية، تتشكل بيئة عمل أكثر كفاءة ونزاهة، ويصبح العمل ليس مجرد وظيفة، بل رسالة وأثر.