الزواج ليس ساحةً للتفاخر
بقلم ـــ باسمة الضويمر
لم يعد الحديث عن خفض تكاليف الزواج مجرد مطلب اقتصادي، بل أصبح ضرورة اجتماعية تفرضها المتغيرات التي يشهدها المجتمع. فمع ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الأعباء المالية، بات كثير من الشباب والأسر يواجهون صعوبة في الإقدام على الزواج، نتيجة تضخم النفقات التي تجاوزت في كثير من الأحيان حدود المعقول.
وما قامت به بعض القبائل في منطقة الحدود الشمالية من مبادرات لترشيد تكاليف الزواج يمثل نموذجًا للمسؤولية المجتمعية، ورسالة تؤكد أن الحفاظ على العادات والتقاليد لا يعني التمسك بكل ما أُضيف إليها من ممارسات أثقلت كاهل الأسر، بل إن مراجعة هذه المظاهر أصبحت ضرورة تفرضها المصلحة العامة، بما يحقق التوازن بين المحافظة على الفرح وتخفيف الأعباء المالية.
ومن المهم التأكيد على أن هذه المبادرات لا تنتقص من حق الفتاة في الفرح بليلة زفافها، ولا تمس حقها الشرعي في المهر، وإنما تستهدف الحد من التكاليف الدخيلة التي تحولت مع مرور الوقت إلى التزامات اجتماعية لا تستند إلى أصل شرعي أو حاجة حقيقية. فالفرح حق، والكرامة حق، لكن المبالغة في الإنفاق ليست معيارًا لنجاح المناسبة أو مكانة أصحابها.
ولم تعد التكاليف تقتصر على حفل الزفاف، بل أصبحت تبدأ قبله بأسابيع من خلال مناسبات متعددة، مثل ليلة الحناء، وحفل توديع العزوبية، وليلة الدزة، إلى جانب المبالغة في تجهيز قاعات الأفراح بالأركان المتنوعة للضيافة والقهوة والهدايا والتصوير، حتى غدت بعض هذه التفاصيل مظهرًا للتنافس الاجتماعي أكثر من كونها جزءًا من الاحتفاء الحقيقي بالمناسبة.
إن أخطر ما تفرزه هذه المظاهر هو دفع بعض الشباب إلى الاستدانة أو تأجيل الزواج سنوات طويلة، بينما يبدأ آخرون حياتهم الزوجية بأعباء مالية تثقل كاهلهم منذ اليوم الأول. ومن هنا، فإن ترشيد تكاليف الزواج لا يعني التقليل من قيمة الفرح، بل يمنح الزوجين فرصة لبداية مستقرة، ويجعل مواردهما موجهة نحو بناء أسرة آمنة ومستقبل أكثر استقرارًا.
أما الأصوات التي اعترضت على هذه المبادرات عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي، فإن كثيرًا منها انشغل بإثارة الجدل أكثر من مناقشة الفكرة بموضوعية، بينما يبقى المعيار الحقيقي هو ما يحقق المصلحة العامة، ويسهم في تيسير الزواج، والحد من الديون، وتعزيز الاستقرار الأسري.
إن المجتمع الذي يراجع عاداته بروح من الحكمة لا يفقد هويته، بل يعززها، لأن العادات الأصيلة تقوم على التيسير والتكافل، لا على المغالاة والتفاخر. فالمجتمعات الواعية هي التي تحافظ على قيمها، وتعيد النظر في ممارساتها كلما أصبحت سببًا في المشقة أو الإضرار بأفرادها.
فالزواج في جوهره ميثاق غليظ، غايته بناء أسرة مستقرة تقوم على المودة والرحمة، وليس مناسبة للتنافس في حجم الإنفاق أو استعراض الإمكانات. وإذا تحولت الأفراح إلى سباق في المظاهر، فقدنا المعنى الحقيقي لهذه المناسبة، وأصبح العبء أكبر من الفرح نفسه.
ويبقى الاعتدال في تكاليف الزواج ثقافةً تستحق أن تنتشر، لأنها لا تحرم أحدًا من الفرح، بل تجعل الفرح أكثر صدقًا، والحياة الزوجية أكثر استقرارًا، والمجتمع أكثر تماسكًا. فخير البدايات ما بُني على التوازن، وخير الأفراح ما كان بعيدًا عن الإسراف، قريبًا من قيمنا الأصيلة التي تدعو إلى التيسير، وتجعل الزواج بدايةً لحياةٍ كريمة، لا بدايةً لسلسلة من الديون والأعباء.