الجمعيات السياحية.. من العمل التطوعي إلى صناعة الأثر
بقلم ــ عبدالله آل شعشاع
يشهد القطاع السياحي في المملكة العربية السعودية تحولًا تاريخيًا غير مسبوق، مدعومًا برؤية المملكة 2030 التي جعلت السياحة أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني وأبرز أدوات التنمية المستدامة. ومع هذا التحول، تبرز الجمعيات السياحية كشريك تنموي ومجتمعي لا غنى عنه، فهي ليست جهة لتنظيم الفعاليات فحسب، بل مؤسسة تُسهم في بناء الإنسان قبل الترويج للمكان.
إن نجاح السياحة لا يُقاس بعدد الزوار فقط، بل بمدى جودة التجربة التي يعيشها السائح منذ لحظة وصوله وحتى مغادرته. وهنا يبدأ الدور الحقيقي للجمعيات السياحية؛ في نشر الوعي، وترسيخ ثقافة احترام المواقع الطبيعية والتراثية، وتعزيز قيم الضيافة السعودية الأصيلة، وتحويل المجتمع إلى شريك فاعل في التنمية السياحية.
ومن واجب الجمعيات السياحية أن تعمل على تأهيل الكفاءات الوطنية، ودعم المرشدين السياحيين، وتمكين الأسر المنتجة والحرفيين، وإطلاق المبادرات التطوعية، وبناء الشراكات مع الجهات الحكومية والخاصة وغير الربحية، بما يحقق التكامل ويعزز التنمية المحلية في مختلف مناطق المملكة.
كما تتحمل الجمعيات مسؤولية كبيرة في غرس الثقافة السياحية لدى الأجيال، من خلال البرامج التوعوية والأنشطة الميدانية، لترسيخ مفهوم أن المحافظة على البيئة، وصون المواقع التراثية، واحترام الأنظمة، وحسن استقبال الزائر، ليست واجبات مؤقتة، بل سلوك حضاري يعكس هوية الوطن وقيمه.
ولأن المملكة تمتلك تنوعًا طبيعيًا وثقافيًا وتراثيًا استثنائيًا، فإن مسؤولية التعريف بهذه المقومات تقع على عاتق الجميع، وفي مقدمتهم الجمعيات السياحية التي يجب أن تكون صوتًا للمكان، ومنصة للمبادرات، وجسرًا يربط المجتمع بالفرص التي يوفرها القطاع السياحي.
ومن وجهة نظري، فإن المرحلة المقبلة تتطلب من الجمعيات السياحية الانتقال من الدور التقليدي إلى دور أكثر تأثيرًا، عبر قياس الأثر، وتبني المبادرات النوعية، والاستفادة من التقنيات الحديثة، وتمكين الشباب والفتيات من الإبداع والابتكار في المجال السياحي، فالمستقبل لا يصنعه العمل الموسمي، بل تصنعه المبادرات المستدامة.
كما أن نجاح أي جمعية سياحية لا يُقاس بعدد اجتماعاتها أو فعالياتها، وإنما بما تتركه من أثر في المجتمع، وما تصنعه من وعي، وما تبنيه من شراكات، وما تقدمه من مبادرات تُسهم في تعزيز مكانة المملكة كوجهة سياحية عالمية.
إن السياحة مسؤولية وطنية قبل أن تكون قطاعًا اقتصاديًا، وكل مواطن هو سفير لهذا الوطن. فإذا اجتمع وعي المجتمع مع جهود الجهات الرسمية والجمعيات المتخصصة، فإننا لا نصنع وجهات سياحية ناجحة فحسب، بل نصنع قصة وطن تُروى للعالم، عنوانها الإنسان السعودي، وقيمه، وكرمه، وحفاظه على إرثه ومقدراته.