|

قصة الأمس و غداً ألقاك ..!

الكاتب : الحدث 2026-07-17 12:05:04

 بقلم : د/ سلمان الغريبي.
رئيس قسم المقالات 

----------------------------
هذه الدنيا خُلقت وبقيت كما هي ، خلقها الله ولم يتغير فيها شيء سوى نحن والحضارات والتقنيات وقلوب البشر من حولنا .. 
السنة هي السنة اثنا عشر شهراً، والشهر هو الشهر ثلاثون يوماً، واليوم هو اليوم أربع وعشرون ساعة، فقصة أمسنا أننا خُلقنا في هذه الدنيا لنعبد الله ولا نشرك به شيئاً، ونسعى في مناكبها بحثاً عن لقمة العيش والحياة الكريمة، فنكبر فيها ونتعلم ونتزوج وننجب الأطفال صبياناً أو بناتٍ، ومنا من لم يكتب الله له الإنجاب وجعله عقيماً وله سبحانه وتعالى حِكمٌ كثيرة في ذلك ..
ومنا من توظف ووصل أعلى المراتب، ومنا من لم يحالفه الحظ في إيجاد وظيفة تليق به وبشهاداته التي حصل عليها وأصبح عاطلاً حتى إشعار آخر، ومنا من قدّر الله عليه بمرض فشفي منه، وغيره مات منه .
ومنا من تعثر مادياً وساءت حالته النفسية، ومنا من حاله طيب وتراه أيضاً يعاني نفسياً لأسباب غير ظاهرة للكل ولكنه هو أعلم بها .
ومنا ومنا .. فهذه هي الدنيا كما عهدناها لم ولن تتغير بحلوها ومرها إلا بما كتبه الله لنا ورضينا به، فهذه هي قصة الأمس لنا جميعاً، ولكن ماذا في "غداً ألقاك" ..؟!.
أي عندما نغادر هذه الدنيا ونستعد للقاء الله .. غداً ألقاك .. حين يُغلق باب الدنيا، ويُفتح كتابك الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .. غداً ألقاك .. وليس معك شهادتك، ولا رصيدك، ولا منصبك، ولا بيتك الفخم .. ولا يبقى معك فقط سوى عملك ... صلاتك، وصدقتك، وكلمة طيبة قلتها لوجه الله، ودمعة خشية ذرفتها والناس نيام، وجبر خاطر جبرته بطيب خاطر لأجل الله، غداً ألقاك، في يومٍ مقداره خمسون ألف سنة، تدنو الشمس من الرؤوس، والناس حفاة عراة في موقف عظيم عند رب كريم، فهناك لا ينفع "كان بودي" ولا "لو رجع بي الزمن"، وهناك من يُنادى : {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} ... فاسأل نفسك الآن قبل غدٍ : ماذا أعددت لهذا اللقاء ..؟! هل صلاتك كانت من أولوياتك كما كانت قصة الأمس ..؟!
هل جبرت مكسوراً؟ هل سامحت؟ هل تصدقت؟ هل بررت والديك؟ 
هل تركت أثراً طيباً كما تركه قبلك الصالحون، يذكرك به الناس بعد رحيلك بالدعاء؟. الدنيا دار ممر .. والآخرة دار مقر، والعاقل من تزود من الممر للمقر، فاجعل من قصة الأمس درساً، ومن "غداً ألقاك" حافزاً للنجاح والفوز بالجنة والنجاة من النار، فازرع اليوم ما تريد أن تحصده غداً، صلِّ صلاة مودع وتصدق بصدقة لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك، وقل كلمة طيبة .. فلا تدري بأيها تدخل الجنة .. وختاماً : 
اللهم اجعل "قصة الأمس" أعمالاً طيبة صافية نقية لوجهك الكريم لا رياء فيها ولا نفاق، و "غداً نلقاك يا الله" لقاءً خفيفاً طيباً مباركاً وتقول لنا ادخلوا الجنة بسلامٍ آمنين" .. اللهم ارزقنا حسن الخاتمة، وتوفنا وأنت راضٍ عنا، واجمعنا في الفردوس الأعلى مع من نحب، يقول تعالى : {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} ، الله يرحمنا برحمته .. ويعفو عنا ويغفر لنا في الدنيا والآخرة ويجبر خواطرنا ويسعدنا جميعاً ولا يجعل فينا أو بيننا شقياً ولا محروماً .. إنه ولي ذلك والقادر عليه.