ميليشيا الجبايات
أ.د. محمد بن على مباركي
عضو مجلس الشورى وكاتب
لم يكن اليمن يومًا بلدًا غريبًا عن التحديات، لكنه ظل عبر تاريخه قادرًا على تجاوز أزماته متى كانت الدولة هي المرجعية، والمؤسسات هي الحَكَم، والمصلحة الوطنية هي البوصلة. غير أن صعود ميليشيا الحوثي، المدعومة من إيران، مثّل نقطة تحول فارقة، إذ انتقل الصراع من خلافات سياسية قابلة للاحتواء إلى واقع فرضت فيه قوة السلاح نفسها على مؤسسات الدولة، وتحوّل معه الاقتصاد تدريجيًا إلى اقتصاد حرب قائم على الجبايات والإتاوات.
ورغم الجهود التي تقودها المملكة العربية السعودية والأمم المتحدة للوصول إلى تسوية شاملة، فإن كل فرصة للتهدئة يعقبها تصعيد عسكري أو سياسي، سواء عبر استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر أو استمرار العمليات العسكرية، بما يعكس أن الهدنة تُستثمر في إعادة ترتيب القدرات أكثر من كونها مدخلًا لإنهاء الصراع.
بدأت الجماعة كحركة محلية في محافظة صعدة، ثم اتسع نفوذها حتى سيطرت على العاصمة صنعاء عام 2014، وهو الحدث الذي أدخل اليمن في دوامة من الحرب وعدم الاستقرار. ومنذ ذلك الحين، تكبد اليمن خسائر بشرية واقتصادية هائلة، ونزح ملايين المواطنين، وتراجعت الخدمات الأساسية، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة، ليصبح المواطن اليمني هو المتضرر الأكبر من استمرار الصراع.
وتواجه اليمن تحديات اقتصادية وإنسانية متفاقمة في ظل سيطره هذه المليشيا على بعض المناطق ، في ظل اعتمادها على فرض الرسوم والجبايات وتراجع أداء المؤسسات العامة. كما وثقت منظمات دولية قيودًا على العمل الإنساني أثرت في وصول المساعدات إلى مستحقيها، وأسهمت في تعميق الأزمة المعيشية التي يدفع ثمنها المواطن اليمني.
ولم تقتصر آثار الأزمة على الداخل اليمني، بل امتدت إلى أمن المنطقة والملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية، الأمر الذي جعل الأزمة اليمنية تتجاوز حدودها المحلية إلى أبعاد إقليمية ودولية.
ورغم ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين ميليشيا الحوثي والشعب اليمني، الذي يتطلع إلى دولة مستقرة يسودها القانون، وتعمل مؤسساتها لخدمة المواطنين، لا لإدامة الصراع.
لقد أثبتت التجارب أن الميليشيات قد تنجح في فرض واقع بقوة السلاح، لكنها لا تستطيع بناء دولة أو صناعة سلام مستدام. فالدولة تقوم على سيادة القانون، ومؤسسات فاعلة، واقتصاد منتج، بينما تقوم الميليشيات على السلاح واقتصاد الجبايات، وهما ركيزتان تُطيلان أمد الصراع ولا تؤسسان لاستقرار دائم.
وتؤكد المملكة العربية السعودية، في مواقفها الرسمية، أن السلام في اليمن يرتبط باستعادة مؤسسات الدولة وسيادتها الكاملة، وإنهاء ازدواجية السلاح، وهو موقف يتوافق مع رؤية مجلس القيادة الرئاسي اليمني، التي تؤكد أن أي تسوية لا تقوم على هذه الأسس لن تحقق استقرارًا دائمًا.
إن مستقبل اليمن لن يُبنَى إلا عبر تسوية تستعيد مؤسسات الدولة، وتوحد القرار الوطني، وتوجه الموارد نحو التنمية بدلًا من الحرب. فالسلام لا يتحقق بمجرد صمت البنادق، بل بقيام دولة قادرة على احتكار السلاح، وبسط سيادة القانون، وتوفير الحياة الكريمة لمواطنيها.
ويبقى الأمل أن يعود اليمن إلى موقعه الطبيعي دولةً ذات سيادة، وشريكًا في أمن المنطقة واستقرارها، وأن تتحول سنوات الحرب إلى درس من التاريخ، لا إلى إرث يورثه الآباء للأبناء.
ختامًا…
التاريخ يخبرنا أن الدول تُبنى بالعدالة والمؤسسات، أما الميليشيات فتعيش على اقتصاد الحرب. وقد تستطيع ميليشيا الجبايات إطالة أمد الصراع، لكنها لن تستطيع بناء وطن أو صناعة سلام.