[اللقطة… والفيلم]
عبهر نادي
لم يحتج الأمر إلى خصام، ولا إلى خيانة، ولا حتى إلى كلمة قاسية. كان يكفي وصفٌ واحد حتى انقلبت الصورة كلها.
في لحظة انتقل شخص من خانة "يستحق فرصة" إلى خانة "يجب الابتعاد عنه".
ولم يكن الحكم صادرًا عمّن يعرفه حق المعرفة، بل عن كلمة قصيرة أخذت تتردد كثيرًا في أحاديثنا، حتى بدت كأنها تختصر الإنسان كله.
توقفت أمام هذا المشهد طويلًا، لا لأنه نادر، بل لأنه يتكرر كل يوم.
شيئًا فشيئًا لم نعد نمنح الإنسان وقتًا ليُعرَف، بل أصبحنا نمنحه دقائق ليُصنَّف.
وربما لأننا نعيش زمنًا يعشق الاختصار. نقرأ ملخصات الكتب بدل الكتب، ونشاهد المقاطع القصيرة بدل الحكايات الكاملة.
ولم يكتفِ الاختصار بالكتب والمقاطع، بل وصل إلى الإنسان نفسه؛ فصرنا نبحث عن كلمة واحدة تختصره، وعن تصنيف واحد يعفينا من مشقة اكتشافه.
وخلال السنوات الأخيرة انتشرت مفردات جديدة تُقدَّم بوصفها مفاتيح سريعة لفهم الناس: رايات حمراء نحذر منها، وأخرى خضراء نطمئن إليها.
ولعل هذه المفردات لم تنتشر من فراغ؛ فهي تذكّرنا بأن بعض السلوكيات تستحق الانتباه، وأن الحذر ليس دائمًا تشاؤمًا.
غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول الإشارة إلى حكم، والحكم إلى هوية.
فالإنسان لا يُقاس بأسوأ لحظاته، ولا يُختزل في موقف عابر، ولا تُروى حكايته من صفحة واحدة.
نحن نتغير، ونتعلم، وننضج، لكن التصنيفات السريعة لا ترى إلا اللقطة، ثم تتعامل معها وكأنها الفيلم كله.
ولعل المفارقة أننا نرفض أن يُحكم علينا من خطأ واحد، بينما لا نتردد أحيانًا في الحكم على الآخرين بالطريقة نفسها.
نطلب لأنفسنا من يفهم ظروفنا، ثم نبخل على غيرنا بالفرصة ذاتها.
قد نحتاج إلى الإشارات التي تنبهنا، لكننا نحتاج أكثر إلى البصيرة التي تذكّرنا بأن الإنسان لا يُقرأ كما تُقرأ اللافتات، بل كما تُقرأ الحكايات.
فالناس لا يُعرفون من أول انطباع، ولا من وصف عابر، ولا من راية نرفعها فوق رؤوسهم.
إنما يُعرفون بالوقت والمواقف وما تكشفه الأيام.
وربما كانت أجمل العلاقات هي تلك التي منحت الإنسان فرصة أن يكون أكثر من تصنيف… وأكثر من كلمة.