التعليم.. رسالة وقيم
بقلم د. محمد بن مرضي
لقاء بعد 35 عاماً يُحكى أن رجلاً اقترب من معلمه القديم عندما قابله صدفةً في ناصية الطريق فرحاً به وقال له: أستاذي، ألا تتذكرني؟ نظر إليه المعلم طويلاً ثم قال: سامحني يا بني لا أتذكرك. تفاجأ الرجل وقال: لكنني لم أنسَكَ يوماً طوال الـ 35 عاماً.. فأنت فعلت معي شيئاً غير حياتي كلها. ثم سكت قليلاً وأضاف: كنت طفلاً في صفك، وفي أحد الأيام سرقت ساعة زميلي، وبدأ صاحب الساعة يبكي وأخبرك بأنها اختفت. فطلبت منا جميعاً أن نقف في صف واحد، ثم قلت: (أغمضوا أعينكم وأفواهكم، ولا أريد أن أسمع صوت أحد منكم.. سأفتش جيوبكم). في تلك اللحظة شعرت أن أمري انتهى فالساعة في جيبي، بدأت تفتش طالباً بعد آخر حتى وصلت إليَّ ثم أخرجت الساعة من جيبي. تجمدت في مكاني وانتظرت أن يسمع الجميع اسمي ، لكن شيئاً غريباً حدث.. لم تقل شيئاً! بل واصلت تفتيش بقية الطلاب حتى وصلت لآخر واحد، ثم قلت: افتحوا عيونكم وعودوا إلى مقاعدكم، ثم أعدت الساعة إلى صاحبها. لم تسأل من سرقها؟ ولم تذكر اسمي ؟ ولم تنظر إليَّ حتى بنظرة عتاب؟ ومرت الأيام ثم السنوات ولم تخبر أحداً بما فعلت. ثم نظر الرجل إلى معلمه وقال: ذلك اليوم لم أنسه أبداً، فقد منحتني فرصة أخرى من دون أن تفضحني بين زملائي، ومنذ ذلك اليوم قطعت عهداً على نفسي بألا أسرق شيئاً مرةً أخرى.
ثم ابتسم الرجل وقال: لهذا استغربت أنك لا تتذكرني؟ وسكت لحظة، ثم أضاف: كيف تنسى طفلاً أخرجت من جيبه ساعة مسروقة بيدك؟ هنا ابتسم المعلم ثم قال: أنا أتذكر حادثة الساعة جيداً بكل تفاصيلها يا بني ، ثم أكمل: لكنني لا أتذكرك أنت!!
هنا ازدادت حيرة الرجل، كيف ذلك؟ قال المعلم: لأنني عندما طلبت منكم أن تغمضوا أعينكم وأفواهكم.. حتى أنا أغمضت عيني معكم!! فظل الرجل صامتاً مشدوهاً، ثم أكمل المعلم: كنت أريد أن أعيد الساعة لصاحبها ولا أريد أن أعرف من أخذها؛ لأنني لا أريد أن أنظر إلى أحدكم بطريقة مختلفة عن زملائه ولا أريد أن ينظروا هم إليه كذلك.. لأن الستر يا بني يُصلح ما لا يصلحه العقاب.