"حين يأتي القدر فجأة ؛ لا يمهلك لتودّع من تحب"
جبران بن عمر
في مكانٍ ما من هذا العالم، أمٌّ تصرخ..
وفي مكانٍ آخر، طفلٌ يبحث بين الركام عن وجهٍ يعرفه..
وفي مكانٍ ثالث، رجلٌ يقف أمام منزله الذي كان بالأمس مأوى أسرته، فلا يجد اليوم سوى الحطام..
وفي الجهة الأخرى من الخريطة، ترتفع المياه فوق الشوارع، وتغلق أبواب البيوت، وتحمل معها السيارات والأثاث والذكريات… بينما يقف الناس على الأسطح، يلوّحون بأيديهم بحثًا عن نجدة.
وفي مدينةٍ أخرى، لا صوت يعلو فوق دويّ الحرب.
سماءٌ مثقلة بالدخان، وشوارع كانت تضج بالحياة أصبحت فارغة إلا من الخوف، وأمهاتٌ يضممن أطفالهن بقوة، وكأن الأذرع يمكن أن تصبح جدارًا يحميهم من القذائف..
ثم يأتي الزلزال…
لا يستأذن.
تهتز الأرض تحت الأقدام، ترتجف الجدران، تسقط الصور من على الحائط، ينطفئ الضوء، ويصبح الصوت الوحيد الذي يبحث عنه الإنسان وسط الظلام هو صوت من يحب..
ثوانٍ قليلة…
قد تكون كافية لتغيّر حياة أسرة كاملة..
بيتٌ كان يحمل ضحكات أهله يصبح كومة من الحجارة..
وسريرٌ كان ينتظر صاحبه كل ليلة يصبح شاهدًا على غيابه..
وصورةٌ عائلية قديمة، يعثر عليها أحدهم بين الأنقاض، تختصر حياةً كاملة لم يبقَ منها إلا ورقة..
هكذا هي الدنيا…
نحن نعيش أيامنا وكأن الغد مضمون.
نخطط، ونشتري، ونبني، ونختلف، ونغضب، ونؤجل التوبة، ونؤجل الاعتذار، ونؤجل زيارة من نحب… وكأن أمامنا عمرًا طويلًا لا ينتهي.
ثم تأتي الأخبار من بعيد لتقول لنا:
ليس كل ما نؤجله سيُتاح لنا غدًا..
هناك من خرج من بيته ولم يعد..
ومن ودّع أمه ولم يكن يعلم أنها آخر مرة..
ومن نام وبين يديه أطفاله، ثم استيقظ فلم يجد البيت..
ومن كان يملك كل شيء، فأصبح يبحث عن كوب ماء..
ومن كان يشكو ضيقًا صغيرًا، ثم رأى غيره وقد فقد وطنًا كاملًا..
لهذا، لا تنظر إلى هذه الكوارث بعين المتفرج فقط.
انظر إليها بعين الإنسان..
حين ترى بيتًا مهدّمًا، تذكّر أن داخله كانت حياة..
وحين ترى طفلًا يبكي، تذكّر أنه لا يفهم لماذا خسر كل شيء..
وحين ترى أمًا مفجوعة، تذكّر أن قلب الأم لا يعرف كيف يتقبل الغياب..
وحين ترى إنسانًا مشرّدًا، تذكّر أن الأمان الذي تنام فيه كل ليلة نعمة عظيمة، قد لا تشعر بقيمتها إلا حين تفقدها..
لسنا مطالبين أن نعيش في رعبٍ دائم، ولكننا مطالبون ألا نعيش في غفلةٍ دائمة..
فالأحداث من حولنا تذكّرنا بحقيقة لا تتغير:
أن الإنسان ضعيف، وأن الدنيا متقلبة، وأن النعمة تحتاج إلى شكر، وأن الملهوف يحتاج إلى رحمة، وأن بين الإنسان وبين تغيّر حياته لحظةً واحدة لا يعلم متى تأتي.
فاشكر الله على سقفٍ فوق رأسك.
على بيتٍ آمن.
على أمٍّ تسمع صوتك.
على أبٍ ما زال وجوده نعمة.
على أطفالٍ ينامون بجوارك.
على لقمةٍ تجدها.
على ماءٍ تشربه.
على طريقٍ تسلكه وأنت آمن.
فكم من إنسانٍ يتمنى الآن شيئًا نراه نحن أمرًا عاديًا!
ولعل أعظم ما ينبغي أن تتركه هذه المشاهد في قلوبنا ليس الخوف… بل الرحمة..
أن نرحم الضعيف، ونغيث الملهوف، ونواسي المكلوم، ونمد أيدينا لمن انكسر، ونحمد الله على ما بين أيدينا قبل أن نتعلم قيمة النعمة بعد فقدها..
فالبيت الذي تنام فيه اليوم نعمة..
والأمان الذي تمشي فيه نعمة..
ومن تحبهم حولك نعمة..
والعافية نعمة..
وكل صباحٍ تستيقظ فيه دون أن تفقد أحدًا ممن تحب… نعمة تستحق أن تسجد لله شكرًا عليها.
يا رب…
إن كان في الأرض خوف، فأنزل عليهم أمنك.
وإن كان فيها جوع، فأطعمهم من فضلك.
وإن كان فيها فقد، فاجبر قلوبهم.
وإن كان فيها حرب، فأطفئ نارها.
وإن كان فيها مكلوم، فكن له وليًا ونصيرًا.
وارحم من رحلوا تحت الركام، ومن ابتلعتهم المياه، ومن غيّبتهم الحروب، واجعل مصابهم رفعةً لهم، واجعل لمن بقي منهم فرجًا قريبًا.
ولعل أعظم درسٍ في كل هذه المشاهد:
أن الإنسان مهما بلغ من القوة، يبقى ضعيفًا أمام قدر الله؛ ومهما اتسعت الدنيا في عينيه، فهي أضيق من أن تكون وطنًا دائمًا له.
فطوبى لمن وعظته الأحداث قبل أن يكون هو الحدث، ورقّ قلبه قبل أن يُكسر، وشكر النعمة قبل أن يفقدها، وأقبل على الله قبل أن يُقال له:
انتهى الأجل .