|

صورة صغيرة.. ومعنى إنساني كبير

الكاتب : الحدث 2026-01-07 04:26:06

بقلم خليل القريبي
مستشار إعلامي

وصلتني هذه الصورة من أخي، وصديقي، وسندي، صورة بسيطة في شكلها، عميقة في معناها، طفلان متعبان يقفان أمام جدار متهالك، آثار الزمن واضحة عليهما، غير أن ما تلفت النظر حقًا هي تلك الحركة الصغيرة: ذراع تحتضن، وقبلة على الخد، واطمئنان صامت يتجاوز قسوة المكان، فلا شرح مرفق، ولا تعليق طويل عدا: "إياك أن يسقط أخاك وأنت على قيد الحياة"، وكأن الصورة تقول كل شيء وحدها. في هذه اللقطة، تتجسد الإنسانية في أبسط صورها، طفلان بملابس متواضعة، محيط فقير، غير أن الغِنى الحقيقي حاضر في العلاقة، الأخ هنا مأوى، والحنان لغة، والدعم فعل طبيعي لا يحتاج تعليمًا، والجدار المتشقق خلفهما يروي قصة قسوة، فيما هذا العناق يروي قصة حياة. من هذه الصورة تبدأ الحكاية، ومن هذا المشهد الصغير يمكن قراءة معنى كبير، فالإنسان في جوهره، يبحث عن من يراه، من يشعر به، من يقف إلى جانبه حين يضيق الأفق، حيث قبل الخطط، وقبل العناوين الكبيرة، هناك لحظة احتواء تصنع الفارق.

في المجتمعات التي تنهض بثبات، يتقدم هذا المعنى الإنساني في الصدارة، إذ تنطلق التنمية الحقيقية من الإنسان، ومن كرامته، ومن شعوره بالأمان، ومن إحساسه بأن هناك من يمسك بيده، وتنجح المشاريع حين تُبنى على فهم عميق للاحتياجات الإنسانية، والسياسات تؤتي ثمارها حين تُصاغ بروح تراعي الإنسان قبل الأرقام.

هذه الصورة القادمة من أخ وصديق وسند، تحمل رسالة صادقة: في أقسى البيئات، يمكن للإنسان أن يصنع دفئه بيديه، وحين يصبح الاحتواء ثقافة، يتحول التماسك الاجتماعي إلى قوة هادئة، قادرة على الصمود والبناء، وربما تتغير الظروف، وتتبدل الجدران، غير أن قيمة الإنسان تظل ثابتة، ومن هذا الثبات تولد الحياة، ويستمر الأثر، ويكبر المعنى.