[فنّ الاختلاف بلا خلاف]
بقلم ــ عبهر نادي
-------------------------------
*في لقاءٍ عابر… جلسوا متقاربين في المكان، متباعدين قليلًا في الرأي… وكان كل شيء يسير بهدوء. حديثٌ بسيط، آراءٌ تتقاطع بلطف، وابتسامات تُجامل اختلافها. إلى أن توقّفوا عند فكرةٍ واحدة… بدت عادية في ظاهرها، لكنها كانت كافية لتكشف ما بداخلهم.
"أرى أن الحزم هو الحل…” قالها بثقة.
ردّت الأخرى بهدوء: “وأنا أرى أن الحوار أعمق أثرًا.”
تدخّلت الثالثة محاولةً أن تجمع المسافة: “ربما يجمعكما الصواب… كلٌ من زاويته.”
كان يمكن أن ينتهي الأمر هنا… اختلافٌ جميل، يشبه تنوّع الألوان في لوحة واحدة. لكن النبرة تغيّرت…
أنتم دائمًا تبالغون!
بل أنتم لا تفهمون!
“واضح أن النقاش معكم بلا فائدة.”
انتهى اللقاء… لا لأن الفكرة حُسمت، بل لأن القلوب لم تعد تتّسع لها. في لحظةٍ واحدة، تحوّل الاختلاف الهادئ… إلى خلافٍ صاخب.
هكذا تبدأ الحكاية دائمًا… لا بخلافٍ كبير، بل باختلافٍ بسيط لم يُحسن أحدٌ احتواءه. ومن هنا، لا نكون أمام مشكلة “آراء”… بل أمام غياب فنّ إدارتها. فليس كل اختلاف خلافًا، لكن كل خلاف بدأ يومًا باختلاف لم يجد من يحتويه.
نحن لا نُخطئ حين نختلف… بل نُخطئ حين نُدير اختلافنا بعقولٍ متصلّبة وقلوبٍ ضيّقة. فالاختلاف في جوهره علامة وعي، ودليل على أن لكل إنسان زاويته وتجربته، لكن ما إن يُمسّ “الأنا”، حتى يتبدّل كل شيء؛ يتحوّل الحوار من مساحة فهم إلى ساحة انتصار.
*في البيوت، لا تبدأ المسافات من قضايا كبيرة، بل من اختلافٍ بسيط في الفهم. أمٌّ ترى الحزم تربية، وابنتها ترى أن الاحتواء أقرب للقلب… كان يمكن لهذا التباين أن يصنع توازنًا جميلًا، لكنه حين أُسيء التعامل معه، تحوّل إلى شعورٍ بأن أحدهما لا يفهم الآخر… ثم إلى صمتٍ أطول مما يجب.
*وفي الصداقة، قد تُقال النصيحة بحب، لكنها تُستقبل كعتب. ليست المشكلة في الكلمات، بل في المساحة التي استقبلتها. وهنا يسقط الاختلاف من مقامه الراقي، ليتحوّل إلى جفاءٍ صامت، لا يُعلن نفسه، لكنه يُشعر به.
*أما في العمل، فكم من فكرةٍ رُفضت لا لأنها خاطئة، بل لأنها لم تُشبه ما اعتدناه. نرفض الجديد، ونتمسّك بالمألوف، ثم نُبرّر ذلك باسم الخبرة، بينما الحقيقة أننا لم نمنح الاختلاف فرصة عادلة ليُفهم.
*وعلى الشاشات، حيث تختصر الكلمات ملامحنا، يتحوّل الاختلاف إلى مواجهة: رأي يقابله رأي، ثم حكم، ثم سخرية… وكأننا لا نتحاور، بل نُصنّف. لا نحاول أن نفهم، بل أن ننتصر.
الحقيقة التي نغفل عنها كثيرًا، أن المشكلة لا تكمن في اختلاف الآراء، بل في ربط “قيمة الإنسان” بما يقول. فنحن لا نرفض الفكرة فقط… بل نرفض صاحبها معها. وهنا تحديدًا، يولد الخلاف.
*فنّ الاختلاف لا يعني أن نتنازل، ولا أن نصمت، ولا أن نُجامل على حساب قناعاتنا… بل يعني أن نُحسن الوقوف في تلك المسافة الدقيقة بيننا، أن نقول: “أنا أرى… وأنت ترى”، دون أن تتحوّل إلى: “أنا على حق… وأنت على خطأ ، وبمعنى ادق أن نحافظ على إنسانيتنا حتى ونحن نختلف.
*وربما لو عاد ذلك اللقاء من جديد… لن نحتاج أن نتفق، بل فقط… أن نُحسن الإصغاء. فليست المشكلة في أن نقول: “أختلف معك”… بل في الطريقة التي نقولها بها. هناك جملة يمكن أن تُغلق بابًا، وأخرى بنفس المعنى تفتح قلبًا. وما بين الباب والقلب… تولد العلاقات، فإما أن نترك خلفنا أثرًا من فهم…
أو ندبًا من جرح.
وهنا فقط… يظهر الفرق الحقيقي بين اختلافٍ يُثري… وخلافٍ يُنهي.