|

عندما أصبحت الحقيقة آخر من يصل.

الكاتب : الحدث 2026-06-16 06:33:35

بقلم  ــ أكرم الشريف.
مدير العمليات لمجموعة الحدث


---------------------------------
تخيل أن رجلاً يركض في مدينة مزدحمة، كلما مرّ بشخص أخبره خبراً، بعد دقائق أصبح الخبر في كل مكان .
الناس تتناقله، تعلّق عليه، تختلف حوله، وتبني عليه أحكاماً ومواقف وقرارات. لكن أحداً لم يسأل سؤالاً بسيطاً: هل الخبر صحيح؟ 
في عصرنا الحالي لم يعد الإنسان يبحث عن الأخبار، فالأخبار تطارده أينما ذهب؛ تستيقظ فتجدها في هاتفك، تركب سيارتك فتسمعها في الإذاعة، تفتح منصة اجتماعية فتغرق بها، تشاهد مقطعاً قصيراً فتنهال عليك عشرات الروايات .
لقد أصبح العالم أكبر آلة لإنتاج المعلومات في تاريخ البشرية، لكن المفارقة المؤلمة أن العالم نفسه أصبح أكثر ارتباكاً من أي وقت مضى. كلما زادت المعلومات... قلّ الفهم، وكلما زادت الأصوات... اختفى المعنى، وكلما تسارع النشر... تأخرت الحقيقة. نحن لا نعيش أزمة إعلام؛ نحن نعيش أزمة إدراك؛ فالحقيقة لا تتحرك بسرعة الشائعة، والتحقق لا يسابق الانفعال، والفهم لا يولد من أول منشور .

لهذا تصل الحقيقة غالباً متأخرة؛ تصل بعد أن يكون الناس قد اختاروا مواقفهم، بعد أن تكون الأحكام قد صدرت، وبعد أن يصبح التراجع عن الخطأ أصعب من الاستمرار فيه، وهنا تكمن المعضلة الكبرى .
فالتكنولوجيا منحت الجميع القدرة على الحديث، لكنها لم تمنح الجميع القدرة على الفهم؛ منحت الجميع منبراً، لكنها لم تمنح الجميع بصيرة .
ولهذا أصبح الفرق بين الصحفي وصانع المحتوى أكبر مما يعتقد البعض.
صانع المحتوى يبحث عما يجذب الانتباه، أما الصحفي الحقيقي فيبحث عما يستحق الانتباه؛ الأول يسابق الزمن، والثاني يسابق الخطأ؛ الأول يسأل: كيف أجعل الناس تشاهد؟ أما الثاني فيسأل: كيف أجعل الناس تفهم؟

لهذا لم يعد الإعلام اليوم معركة على الخبر، فالخبر أصبح أرخص سلعة في العالم، والمعركة الحقيقية أصبحت على المعنى.
من يفسر؟ من يربط الأحداث؟ من يكشف ما وراء الأرقام؟ من يحول الضجيج إلى فهم؟ هذه هي القيمة الجديدة للإعلام .
لأن الأمم تتشكل بما تفهمه لا بما تسمعه، ولا تنهار المجتمعات بسبب نقص المعلومات، إنما بسبب وفرتها دون وعي. وفي زمنٍ أصبح فيه الجميع قادرين على الكلام... 
ستبقى القيمة الحقيقية لأولئك القادرين على قول الحقيقة، حتى عندما تكون أبطأ من الجميع .