وداعًا على أمل اللقاء
بقلم - أريج عزام
الفراق سنة من سنن الحياة، لكن بعض أنواع الفراق تترك في النفس أثرًا مختلفًا. فراق مكان العمل بعد سنوات من العِشرة ليس مجرد تغيير مكتب أو مغادرة مبنى، بل هو طيّ صفحة كاملة كُتبت فيها تفاصيل صغيرة صنعت يومنا، وأشخاص كانوا هم الروح الحقيقية للمكان.
وفي زحمة الذكريات، هناك أشخاص تدرك أن معرفتهم كانت مكسبًا حقيقيًا لا يُقاس بالراتب ولا بالمنصب. أشخاص دخلوا حياتك المهنية فجعلوها أخف، وأصدق، وأكثر إنسانية. العمل معهم لا يحتاج جهدًا إضافيًا للتواصل أو التوضيح؛ لأن التفاهم كان حاضرًا من اللحظة الأولى. سلسٌ كأنه حوار بين فكر وفكر، ومريحٌ كأنك تعمل مع نسخة من نفسك تفهمك دون شرح.
الأستاذة نقوة كانت واحدة من هؤلاء. العمل معها لم يكن مجرد تنفيذ مهام، بل كان مدرسة في الاحترافية الممزوجة بالرقي. هادئة في طرحها، حكيمة في قراراتها، وسخية في دعمها. لا تترك زميلًا في حيرة، ولا تمرر ملاحظة إلا وكانت لبنة بناء لا معول هدم. كانت تملك تلك القدرة النادرة على تحويل ضغط العمل إلى مساحة تعلم، والخلاف في الرأي إلى فرصة نضج.
معها تعلمت أن القائد الحقيقي لا يرفع صوته ليُسمع، بل يرفع من حوله ليُنجزوا، وأن الاحترام في بيئة العمل ليس تفضلاً، بل أسلوب حياة. كان حضورها يطمئن، وغيابها يُحس. الفراق بعد العمل موجع لأنك لا تودع المهام، بل تودع الوجوه التي جعلت المهام محتملة. تودع القهوة الصباحية والسؤال العابر: "كيف حالك اليوم؟" الذي كان يعني الكثير. تودع الشخص الذي إذا وقعت في مشكلة، كان أول من يقول: "حليناها مع بعض".
الأستاذة نقوة، معرفتك مكسب، والعمل معك ذكرى لا تُنسى، وأثرك فينا باقٍ. بعض الناس رزق، وأنتِ كنتِ رزق المكان. سنفترق عن المكاتب، لكن القلوب التي اجتمعت على الاحترام والصدق لا تعرف الفراق. ستبقين الأستاذة والأخت والقدوة. وداعًا لمرحلة، وليس وداعًا لكِ.
شكرًا لأنكِ كنتِ السهل في زمن الصعب، والراحة في زمن الضغط. أسأل الله لكِ التوفيق حيثما كنتِ، وأن يجمعنا بكِ في دروب الخير دائمًا.