شهادات تُعلَّق .. وأحلامٌ تُؤجَّل
حين لا تكفي الوظيفة لبداية الحياة
بقلم : باسمه الضويمر
--------------------------
في كل عام، تفتح الجامعات أبوابها لتودّع آلاف الخريجين، فيما تستقبلهم الحياة بآمالٍ كبيرة رسمتها سنوات الدراسة، وسهر الليالي، وتضحيات الأسر التي انتظرت لحظة التخرج لتجني ثمرة أعوامٍ طويلة من الكفاح.
لكن ما إن تنتهي مراسم التخرج، حتى تبدأ رحلة أخرى … رحلة البحث عن وظيفة.
رحلة قد تمتد لسنوات عدة ، يحمل خلالها الخريج سيرته الذاتية من منصة إلى أخرى، ومن مقابلة إلى أخرى، ليصطدم في كل مرة بعبارة واحدة :
“يشترط وجود خبرة.”
وهنا يبرز سؤالٌ بسيط في كلماته، عظيم في معناه:
كيف يكتسب الخريج الخبرة إذا لم يمنحه أحد الفرصة الأولى؟
إنها معادلة تبدو مستحيلة؛ فالجميع يشترط الخبرة، لكن قليلًا من يمنح الخريجين فرصة اكتسابها.
وحتى عندما يتمكن بعض الشباب من الحصول على وظيفة، تبدأ معاناة من نوع آخر. فكم من خريج جامعي يقبل وظيفة براتب لا يتجاوز أربعة آلاف ريال، في مدينة بعيدة عن أسرته، ليبدأ رحلة جديدة من التحديات.
فكيف سيدفع إيجار السكن؟ وكيف سيتحمل تكاليف المواصلات والطعام وفواتير الحياة اليومية؟ وكيف سيدخر لبناء مستقبله أو يساعد والديه؟ وماذا سيتبقى له في نهاية كل شهر؟
قد تكون الوظيفة موجودة، لكن السؤال الحقيقي هو: هل يكفي الراتب لبناء حياة كريمة؟
الشباب اليوم لا يطلبون الرفاهية، ولا يبحثون عن رواتب خيالية، بل يطلبون فرصة عمل عادلة، وراتبًا يحقق لهم الحد الأدنى من الاستقرار، ويمنحهم القدرة على العيش، وبناء مستقبلهم بثقة.
ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، يصبح تأجيل الزواج قرارًا يفرضه الواقع لا الرغبة. فكيف يُطالب شاب بتكوين أسرة، وهو بالكاد يستطيع توفير احتياجاته الأساسية؟ وكيف يُطلب منه أن يكون مستقلاً، بينما دخله لا يكفي لبداية الطريق؟
إن تأخر الشباب عن الزواج ليس قضية شخصية فحسب، بل قضية اجتماعية واقتصادية تمس المجتمع بأكمله. فكل حلمٍ يتأجل، وكل أسرةٍ يتأخر تكوينها، يترك أثرًا يمتد إلى مستقبل الوطن.
والأخطر من ذلك، أن ضعف الدخل قد يجعل قلةً من الشباب عرضة للاستغلال أو الانجراف وراء أنشطة غير مشروعة، أو غيرها من الممارسات المخالفة للنظام. وليس المقصود هنا التعميم، فشباب الوطن في غالبيتهم أصحاب قيم ومبادئ، لكن الفراغ، والإحباط، وضيق الفرص، قد يجعل بعضهم فريسةً سهلة لمن يستغل حاجتهم.
ولهذا، فإن توفير فرص العمل الكريمة ليس مجرد ملف اقتصادي، بل هو استثمار في أمن المجتمع، وحماية لشبابه، وتعزيز لاستقراره.
لقد استثمر وطننا الغالي كثيرًا في تعليم أبنائه، وأنفق بسخاء على الجامعات وبرامج التأهيل، وهذا الاستثمار يستحق أن تكتمل ثماره بتمكين الخريجين من دخول سوق العمل، ومنحهم الفرصة الأولى لاكتساب الخبرة، بدلًا من أن تبقى الخبرة شرطًا يسبق بداية الطريق.
كما أن القطاع الخاص شريك أساسي في التنمية، ودوره لا يقتصر على التوظيف، بل يمتد إلى صناعة الكفاءات الوطنية، من خلال برامج تدريب وتأهيل ومسارات مهنية تمنح الخريج فرصة للنمو والتطور، حتى يصبح بعد سنوات من أصحاب الخبرات الذين يبحث عنهم الجميع.
إن نجاح منظومة التوظيف لا يُقاس بعدد العقود الموقعة فحسب، بل بقدرتها على توفير وظائف تمنح الإنسان حياة كريمة، وتمكنه من بناء أسرة، والمساهمة في تنمية وطنه، وتحقيق مستهدفات رؤيته.
شبابنا لا يطلبون المستحيل، ولا يبحثون عن امتيازات خاصة، بل يطلبون حقهم الطبيعي في فرصة عادلة، وراتب يكفل لهم بداية مستقرة، ويمنحهم الأمل بأن سنوات الدراسة والاجتهاد لم تذهب سدى.
فالشهادة ليست نهاية الحلم… لكنها أيضًا لا ينبغي أن تكون بداية الانتظار.
إن الاستثمار الحقيقي في الإنسان لا يكتمل بمنحه شهادة، بل يبدأ عندما نمنحه فرصة عمل كريمة تفتح له باب الاستقرار، وتمكنه من بناء أسرته وهذا ماتسعى له الدولة ، ليكون شريكًا في بناء وطنه. فالأوطان لا تنهض بشهاداتٍ تُعلَّق على الجدران، بل بعقولٍ تعمل، وسواعدَ تُنتج، وشبابٍ يجدون الفرصة التي يستحقونها.