الحراك والتلاقي الثقافي
بقلم خليل القريبي
مستشار إعلامي
أصبحت الثقافة اليوم جزءًا من حياة الناس، وغادرت قاعاتها التقليدية إلى المقاهي والصالونات والمساحات العامة، في تحول يتجاوز كثرة الفعاليات إلى صناعة مجتمع أكثر اتصالًا بالمعرفة والإبداع، وهذا ما نشهده في المملكة؛ حراك ثقافي وأدبي يتسع عامًا بعد عام، وتولد في فضائه الأفكار والمبادرات، وتتجدد معه علاقة الإنسان بالكتاب والفن والمكان.
خلال المواسم الماضية، شاهدنا تدشين الأندية والملتقيات الثقافية، وابتكار المسابقات، واتساع مساحات الحوار والقراءة والكتابة، فيما أسهم الصندوق الثقافي بما يقدمه من حلول تمويلية وحوافز في فتح آفاق أمام المشاريع الثقافية وتحويل الفكرة الإبداعية إلى مشروع قابل للنمو والاستدامة. وكانت مبادرة «الشريك الأدبي» واحدة من التجارب اللافتة في نقل الأدب إلى الحياة اليومية؛ فالمقهى أصبح مساحة للقاء الكاتب بقارئه، والصالون الثقافي استعاد حضوره بروح معاصرة، والأندية الثقافية منحت المواهب مساحات جديدة للتعبير والحوار، والأجمل أن هذا الحراك امتد إلى مناطق ومدن ومحافظات متعددة، ليؤكد أن الثقافة قادرة على الوصول إلى الناس في مختلف الأماكن.
ومع هذا الاتساع، أعتقد أن المرحلة المقبلة تستحق مزيدًا من الاهتمام بـ«مؤشر الأثر الثقافي»، فالأرقام تخبرنا بحجم النشاط، والأثر يكشف ما صنعته الثقافة في الإنسان والمكان: كم موهبة اكتشفنا؟ كم قارئًا جديدًا كسبنا؟ وكم فكرة تحولت إلى مشروع مستدام؟ تلك أسئلة تساعد على قراءة أعمق للمشهد وتوجيه الدعم إلى المساحات القادرة على صناعة أثر أكبر. ويمتد ذلك إلى الأطروحات السابقة حول «البصمة الثقافية للمدن»، وهي فكرة جديرة بالبناء عليها؛ فلكل مدينة ومحافظة ذاكرتها وحكايتها وأدبها وفنونها وتراثها، وحفظ هذه الخصوصية وتنميتها يجعل التنوع الثقافي السعودي مصدر قوة وإثراء للمشهد الوطني.
ومن هنا أقترح مبادرة وطنية تحمل اسم «تَلاقِي»، تقوم على التبادل الثقافي المنظم بين مناطق المملكة؛ فتكون كل منطقة، خلال فترة من العام، ضيفًا ثقافيًا على منطقة أخرى، حاملة معها أدباءها وشعراءها وفنانيها وكتبها وحرفها وحكاياتها وفنونها إلى المقاهي والصالونات والأندية والمكتبات والمساحات الثقافية، ثم تتبادل المنطقتان الأدوار.
أتخيل جازان تحضر بثقافتها في حائل، والجوف في الأحساء، والمدينة المنورة في أبها، وحائل في جدة، وهكذا؛ فيتعرف أبناء الوطن إلى وطنهم ثقافيًا من خلال بعضهم بعضًا، ويجد المبدع جمهورًا خارج مدينته، وتتجاوز الحكاية المحلية حدود الجغرافيا لتصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية.
إن الحراك الثقافي في بلادي وصل إلى مرحلة ثرية تستحق أن نبني فوقها مرحلة أخرى؛ تنتقل فيها الثقافة من الحضور إلى الأثر، ومن خصوصية المكان إلى رحابة الوطن، ومع تلاقي ثقافات مناطقنا، نحافظ على تنوعها ونصنع منها روافد لمشهد وطني واحد؛ ثري بتنوعه، واسع بحضوره، عميق بأثره.