|

الوطن بين الماضي والمستقبل

الكاتب : الحدث 2026-09-22 02:59:00

أ.د. محمد بن على مباركي 
عضو مجلس الشورى وكاتب رأي

في اليوم الوطني السعودي، لا نحتاج إلى استدعاء التاريخ لكي نثبت عظمة الحاضر، ولا إلى المبالغة في وصف المنجز لكي ندرك قيمة الوطن. يكفي أن نتأمل المسافة التي قطعتها المملكة منذ أن وحّد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ رحمه الله ـ أرجاء البلاد وأعلن قيام المملكة العربية السعودية في 17 جمادى الأولى 1351هـ، الموافق 23 سبتمبر 1932م.

فالتوحيد لم يكن نهاية قصة، بل كان بداية الدولة، وهذه هي الفكرة التي ينبغي أن نستعيدها في كل يوم وطني: الأوطان لا تُبنى مرة واحدة. فالمؤسس وحّد الأرض، ومن جاء بعده من أبنائه الملوك واصلوا بناء مؤسسات الدولة، وتطوير قدراتها، وتوسيع اقتصادها، وترسيخ أمنها، وتراكم خبراتها ومعارفها. وكانت رحلة المملكة خلال عقودها الماضية انتقالًا متدرجًا من بناء الأساس إلى بناء الدولة الحديثة، ثم إلى مرحلة أكثر اتساعًا من الطموح؛ مرحلة لا تكتفي فيها المملكة بإدارة حاضرها، بل تعمل على إعادة تعريف مستقبلها.

ومن هنا جاءت رؤية السعودية 2030 بمعناها الأوسع؛ فهي ليست مجرد برنامج لتنويع مصادر الدخل أو إطلاق المشروعات الكبرى، بل مشروع تحوّل يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والإنسان والمستقبل. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد المنشآت التي تُبنى، وإنما بقدرتها على صناعة الإنسان القادر على بناء ما بعدها.

وهنا تكمن المعادلة الأصعب: فالمملكة التي تطمح إلى أن تكون بين الدول الأكثر تأثيرًا في القرن الحادي والعشرين، تحتاج قبل كل شيء إلى مواطن يمتلك أدوات هذا القرن؛ تعليم يعلّم التفكير قبل التلقين، واقتصاد يخلق الفرص قبل الوظائف، ومؤسسات تقيس أداءها بالأثر لا بحجم الإجراءات، ومدن تُبنى للإنسان قبل الإسمنت، وثقافة تجعل المسؤولية العامة سلوكًا يوميًا لا شعارًا موسميًا.

إن قوة الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بمقدار ما تملكه، وإنما بمقدار ما تستطيع أن تحوّله إلى قيمة. فالثروة التي لا تتحول إلى معرفة، والمعرفة التي لا تتحول إلى إنتاج، والإنتاج الذي لا يتحول إلى جودة حياة، تظل حلقات غير مكتملة في سلسلة التنمية. ولهذا فإن الاحتفال الحقيقي باليوم الوطني ليس احتفاءً بالماضي وحده، بل هو سؤال عن المستقبل أيضًا.

لقد تركت لنا الأجيال السابقة وطنًا موحدًا، وشيدت الأجيال المتعاقبة مؤسساته ووسعت قدراته، أما مسؤوليتنا اليوم فهي أن نترك لأبنائنا وطنًا أكثر معرفةً وكفاءةً وتأثيرًا. وأن ندرك أن احترام الوطن يبدأ من احترام نظامه، وأن الوفاء له يبدأ من إتقان العمل، وأن حماية مكتسباته ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية كل مواطن.


في اليوم الوطني، نحتفي بما كان، ونعتز بما هو كائن، لكن أعظم وفاءٍ للتاريخ أن نكتب فصلًا جديدًا منه، فالوطن لا يطلب منا أن نعيش على أمجاد من سبقونا؛ بل يطلب منا أن نكون جديرين بأن يفتخر بنا من سيأتي بعدنا وإذا كان يوم التوحيد قد جمع أرضًا تحت راية واحدة، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نجمع الطموح والمعرفة والعمل تحت راية المستقبل، ذلك هو اليوم الوطني الحقيقي: أن يصبح حب الوطن عملًا، والانتماء مسؤولية، والماضي قوةً للمستقبل.

حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها ووحدتها وعزها، وكتب لها مستقبلًا يليق بتاريخها وطموح أبنائها.