عندما تطير البركة من بيوتنا ..!!
✍️الدكتور/ سلمان الغريبي
رئيس قسم المقالات
------------------------------
حين تتحول المجالس إلى أماكن مهجورة، والمطابخ إلى طلبات توصيل، وتغيب الألفة عن البيوت..!!
عندما تغيب المجالس العامرة بالأهل والأحباب، وتُهجر المطابخ التي كانت تجمع أفراد الأسرة على مائدة واحدة، فهل نستغرب أن نفتقد البركة والألفة والحياة في بيوتنا..؟!
عندما يلغون مجالسهم ومطابخهم من البيوت، ويجعلونها كصورة باهتة مغلقة طوال العام، وكأنها غير موجودة، ويجعلون من هذه البيوت محطات واستراحات للنوم فقط، فلا بد وحتماً ستطير البركة منها..!
لا استقبال ضيوف، ولا اجتماعات أسرية يومية أو أسبوعية أو شهرية فيها، ولا أكل بيتي مطبوخ في المطبخ..!!
ثم إنهم يتكبدون خسائر باهظة في بناء وتأثيث مجالس ومطابخ في بيوتهم بأعلى مستويات الجودة وأغلى الأثمان، لا يستفيدون منها، ووجودها كعدمها..!!
وجعلوا من البيوت غرف نوم ودورات مياه فقط، أعزكم الله..!
وعجبي عليك يا زمن..!!
اختلف فيك كل شيء، حتى المجالس اختفت من البيوت، وظهرت هذه الأيام في المقاهي والمطاعم والمولات..!
والمطابخ أصبحت «هنقرستيشن»، ودبابات للتوصيل تجوب الشوارع والطرقات، وكأنها خلية نحل لتوصيل الطعام، والله أعلم كيف يصل، وعلى أي أساس من النظافة والأمانة وجودة الطعام..؟!
المجالس والمطابخ.. أكثر من مجرد أماكن!فمشكلة المجالس والمطابخ لا تكمن هنا فقط..!!
بل قد تكون من أهم الأسباب التي تؤدي إلى ضياع الألفة والمحبة والجمعة الطيبة بين الجميع، وخصوصًا الأهل والأقارب والجيران..
فالأكل ملحوق عليه، ولكن كيف نعيد الألفة والمحبة والحياة لمجالسنا..؟!
فالكل أصبح اليوم يغني على ليلاه، ويسير في الاتجاه المعاكس، مع صحبة جديدة مؤقتة تتخذ الأسلوب نفسه، ومن مجتمع مختلف وجنسيات عدة وعادات وتقاليد مختلفة..
ومن هنا تفككت الأسر، وابتعد الأقارب، وأصبح الجيران مجرد مبانٍ خرسانية ملتصقة ببعضها ببعض فقط، ولا تعارف بينهم، وليس هناك أي رابط يجمعهم..
حتى مساجد الحي أصبحت حكرًا لإخواننا المقيمين، جزاهم الله خيرًا على إحيائها، وأصحاب الحي الحقيقيون لا ترى إلا القليل منهم أحيانًا في صلاة الجمعة فقط، هذا إذا ما راحت عليه نومة في ذلك اليوم، فصلاها ظهرًا مع العصر، ثم انطلق مرة أخرى لروتينه اليومي المعتاد في أحد المقاهي أو المطاعم أو المولات.. والله المستعان..
فيا أيها الغافلون: استيقظوا قبل فوات الأوان، وقبل أن تقع الفأس في الرأس، وتجدوا بيوتكم خاوية على عروشها، لا روح فيها ولا محبة أو حياة، مجرد جدران صامتة تشهد على زمن كانت فيه الضحكة تملأ المجلس بصدق المكان، ورائحة الخبز وأنواع الأرز وطبيخ الأمهات تملأ أرجاء المطبخ، وتستشعر رائحتها من صالة الجلوس أو المقعد، والقلوب فيها مجتمعة على المحبة والإخاء قبل مائدة الطعام أو السُّفرة بالبلدي، أيام زمان، الزمن الجميل..
عودوا إلى مجالسكم.. وأحيوا مطابخكم..!عودوا إلى مجالسكم، واجعلوها عامرة بذكر الله وبالصلاة والسلام على رسول الله، وعودوا إلى مطابخكم، واجعلوها عامرة بدفء العائلة وببركة الأمهات أيام زمان..!
فوالله، لا قيمة للمطاعم والمقاهي إذا فقدتم لذة الجلوس مع من تحبون، وفي الأخير سوف تندمون وتقولون: يا ليت الذي حصل ما كان، وتتمنون ولو لحظة جلوس مع من تحبون..!
فاللهم ردنا إليك ردًّا جميلًا، وألّف بين قلوبنا، واجمع شملنا، ولا تجعل بيوتنا كالقبور للنوم فقط، ولا حياة فيها..!
وشكرًا لكل من قرأ وتأمل وأمعن في التفكير، وشكرًا لكل من لا يزال يحافظ على مجلسه ومطبخه عامرًا بأهله وأحبابه وبكل ما لذ وطاب.
فأنتم الخير والبركة التي فقدناها هذه الأيام.
أما سمعتم ما يتردد دومًا هذه الأيام وباستمرار: «ما في بركة» أو «البركة طارت من بيوتنا»؟! والعياذ بالله.
وختاماً: هذه رسالة اجتماعية تستحق التأمل فيها.
فبيوتنا لا تُعمر بجدرانها وأثاثها فحسب ومجالسها مغلقة ومطابخها خاوية على عروشها، بل بالمحبة والألفة وصلة الرحم واجتماع القلوب فيها .