|

حين يصبح العقل عدو نفسه

الكاتب : الحدث 2026-10-14 06:26:19

بقلم: د. بجاد بن خلف البديري
خبير الشراكات الاستراتيجية

في المقال السابق، تناولت الذكاء حين يتحول من ميزة إلى عبء، ويصبح اتساع الرؤية وكثرة الاحتمالات سببًا في التردد والقلق. لكن إدراك المشكلة لا يكفي وحده؛ لأن السؤال الأهم هو: كيف يعرف الإنسان أن تفكيره لم يعد يساعده، بل بدأ يستنزفه؟
ليست المشكلة في كثرة التفكير بحد ذاتها، فبعض القرارات يستحق التروي والتحليل. المشكلة تبدأ عندما لا يضيف التفكير معلومة جديدة، ولا يقربنا من قرار، بل يعيدنا إلى الأسئلة نفسها بصيغ مختلفة.

التفكير المنتج يوسع الفهم، ويرتب الاحتمالات، وينتهي إلى خطوة. أما التفكير المرهق فيظل مفتوحًا بلا نهاية؛ لأن صاحبه لا يبحث عن قرار مناسب، بل عن يقين كامل. وهذا اليقين نادر في الحياة والعمل، وكثير من القرارات لا تتضح نتائجها إلا بعد البدء.
ومن العلامات التي تكشف هذا النوع من التفكير أن يعود الإنسان إلى القرار نفسه بعد أن جمع المعلومات الكافية، أو أن يساوي بين كل احتمال ممكن وكل احتمال مرجح، أو أن يؤجل الخطوة انتظارًا لصورة لن تكتمل. عندها لا يعود التحليل وسيلة لاتخاذ القرار، بل يصبح وسيلة لتأجيله.

وهنا نخلط أحيانًا بين الحذر والخوف. فالحذر يراجع المخاطر ثم يتحرك، أما الخوف فيعيد مراجعتها كلما اقترب موعد الحسم. والحذر يطلب قدرًا كافيًا من المعلومات، بينما يطلب الخوف ضمانًا لا يستطيع الواقع أن يقدمه.
وللخروج من هذه الدائرة، نحتاج أولًا إلى تحديد السؤال الذي نحاول الإجابة عنه. فكثير من الإرهاق لا يأتي من صعوبة القرار، بل من تداخل أسئلة متعددة في وقت واحد. عندما نحدد المطلوب بدقة، يصبح من الأسهل التمييز بين ما نحتاج إلى معرفته، وما لا يغير النتيجة مهما طال التفكير فيه. ونحتاج كذلك إلى وضع حد زمني للتحليل.

فالقرار الذي يبقى مفتوحًا يستهلك الانتباه حتى في الأوقات التي لا نعمل عليه فيها. أما تحديد موعد للحسم، فيجبر العقل على ترتيب المعلومات بحسب أهميتها، ويمنع التفاصيل الثانوية من السيطرة على الصورة.
ومن المهم أيضًا أن نفرق بين القرارات التي يمكن تعديلها والقرارات التي يصعب الرجوع عنها. فليس من المنطقي أن نستهلك القدر نفسه من التفكير في قرار قابل للتجربة والتصحيح، وفي قرار يترتب عليه أثر طويل المدى. كثير من القرارات اليومية والمهنية يمكن البدء فيها على نطاق محدود، ثم تعديلها بناء على ما يظهر من نتائج.

وهنا تأتي قيمة الخطوة الأولى. فالتجربة لا تلغي التفكير، بل تختبره. وقد تمنحنا خطوة صغيرة من المعلومات ما لا تمنحنا إياه ساعات طويلة من الافتراضات. فالواقع لا يجيب عن كل الأسئلة مقدمًا، لكنه يكشف لنا ما نحتاج إليه أثناء الحركة.
كما أن كتابة الأفكار تساعد على إخراجها من الدوران داخل الرأس. فعندما تكون الاحتمالات مكتوبة، نستطيع أن نرى ما يتكرر منها، وما يستند إلى حقيقة، وما يقوم فقط على القلق. عندها يصبح التفكير مادة يمكن مراجعتها، لا تيارًا يصعب إيقافه.

ولا يعني إيقاف التفكير تجاهل المسؤولية، كما لا تعني الراحة الهروب من القرار. أحيانًا يحتاج العقل إلى مسافة قصيرة حتى يستعيد قدرته على التقدير. فالاستمرار في التحليل تحت الإرهاق لا يجعل القرار أفضل بالضرورة، وقد يجعل المخاطر تبدو أكبر مما هي عليه.

ومع ذلك، ليست كل الأفكار المتكررة قابلة للعلاج بالتنظيم وحده. فإذا تحول التفكير إلى قلق مستمر يؤثر في النوم أو العمل أو الحياة اليومية، فإن طلب المساعدة المتخصصة ليس مبالغة، بل تعامل مسؤول مع الأمر.

إن إدارة العقل لا تعني إسكات الأسئلة، بل معرفة متى تكون الأسئلة ضرورية، ومتى تتحول إلى دائرة مغلقة. ولا تعني اتخاذ قرارات متسرعة، بل قبول أن القرار الجيد لا يشترط معرفة كل شيء، وإنما يحتاج إلى معلومات كافية، وتقدير متزن، واستعداد للتعلم مما يحدث بعد ذلك.

فالعقل القوي ليس العقل الذي يفكر بلا توقف، بل العقل الذي يعرف متى يحلل، ومتى يقرر، ومتى يبدأ.