ينكرون و يمكرون .. والتاريخ لا ينسى!!
بقلم : د / سلمان الغريبي
رئيس قسم المقالات
--------------------------------
ينكرون ويمكرون، ونسوا أو تناسوا، على مر العصور والسنين، أن الله دائمًا معنا، ينصرنا ويحمينا، وهو خير الماكرين، وأن التاريخ والمواقف والأزمات شواهد على ذلك، لا تمحوها الأيام، ولا تُغيّر حقائقها محاولات الإنكار والجحود.
فَكُنا لهم خير معين، بالمال الوفير، والمواقف المشرفة في المؤتمرات والمحافل الدولية، وبالرجال والعتاد في ميادين الحروب، ووقفنا معهم في أوقات الشدة، وساندناهم في الملمات، ولم نمنّ عليهم يومًا بما قدمناه، ولم نجعل مواقفنا الإنسانية والأخوية وسيلةً للمزايدة أو طلب المقابل؛ لأننا نؤمن بأن المواقف الأصيلة لا تُشترى، وأن العطاء الصادق لا ينتظر ثمنًا، ولكن ما إن تواجهنا أزمة، أو تمر بنا محنة، حتى تنقلب بعض المواقف، وتتبدل الوجوه، وتتغير لغة الخطاب، وكأن شيئًا لم يكن، وكأن تلك المواقف والتضحيات لم تكن يومًا جزءًا من تاريخ مشترك.
ومع ذلك فإننا لا نندم على خير قدمناه، ولا على موقف نبيل اتخذناه، ولا على يد امتدت بالعون والمساعدة؛ لأننا لم نفعل ذلك إلا ابتغاء مرضاة الله، ولم ننتظر من أحد جزاءً ولا شكورًا. ولكن ما يؤسف له حقًا أن يقابل الإحسان بالجحود، والوفاء بالنكران، والوقوف مع الأشقاء في الشدائد بالتشكيك والتآمر والتشفي عند الأزمات.
ولكن.. هل يعني ذلك أن ننسى، أو أن نتخلى عن حقنا في قراءة التاريخ واستخلاص العبر من دروسه؟! كلا، فالتسامح لا يعني الغفلة، والكرم لا يعني التفريط، والوفاء لا يعني أن نغمض أعيننا عن الحقائق. ومن الحكمة أن نتعلم من تجاربنا، وأن نميز بين الصديق الذي تثبته المواقف، ومن لا يظهر إلا حين تكون المصالح قائمة.
إن العلاقات بين الدول والشعوب لا تُقاس بكثرة الشعارات، ولا بعبارات المجاملة، ولا بما يُقال في أوقات الرخاء، وإنما تُختبر حقيقتها في ساعات الشدة، حين تتكشف معادن الرجال، وتظهر حقيقة المواقف، ويُعرف من يحفظ العهد، ومن يتنكر له عند أول منعطف.
وليس من الحكمة أن نعمم الأحكام على الجميع، فلكل شعب أصيل مواقفه المشرفة، وفي كل أمة رجال أوفياء لا تنسى لهم المواقف ولا تُنكر لهم الجميل. لكن من حقنا، بل من واجبنا، أن نضع الأمور في نصابها، وأن نقرأ الأحداث بوعي، وأن نرد على حملات التشويه والافتراء بالحقائق والوقائع، لا بالانفعال.
إن المملكة العربية السعودية، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي ومكانة إسلامية ودولية، وبما قدمته من مساعدات ومبادرات إنسانية ومواقف في مختلف الظروف، ليست بحاجة إلى شهادة من جاحد، ولا إلى تصفيق من متقلب؛ فتاريخها ومواقفها وما قدمته من خير تشهد لها. وما كان عطاؤها يومًا ضعفًا، ولا كان تسامحها عجزًا، ولا كانت مواقفها النبيلة بابًا للتنازل عن كرامتها أو التفريط في مصالحها.
لقد تعلمنا أن نبني مواقفنا على المبادئ، وأن نمد يد العون للمحتاج، وأن نقف مع الحق بقدر استطاعتنا، وأن نواجه الأزمات بثبات وحكمة، مستعينين بالله، ثم بوعي شعبنا وتماسكه وقوة مؤسساتنا.
كما تعلمنا أن حفظ المعروف من شيم الكرام، وأن إنكاره لا ينتقص من قدر من صنعه، بل يكشف عن حقيقة من جحده، فالذي يزرع الخير لا يخسر، وإن جحده بعض الناس، والذي يحفظ كرامته لا يعتدي على الآخرين، ولكنه لا يسمح لأحد أن يستغل طيبته أو يستخف بمواقفه.
وستبقى ذاكرتنا الوطنية حاضرة، نستحضر منها العبر لا الأحقاد، ونستمد منها الحكمة لا الرغبة في الانتقام، ونعرف بها من يستحق الثقة، ونبني على أساسها علاقاتنا المستقبلية، بما يحقق المصالح ويحفظ الحقوق ويصون الكرامة.
أما الذين ينكرون ويمكرون، فنقول لهم: إن الحقائق لا تموت بالتجاهل، والتاريخ لا يُمحى بالتشويه، والمواقف الأصيلة لا تسقط بتبدل المصالح. والأيام دول، والمواقف سجلات، والأحداث كفيلة بأن تكشف ما تخفيه الأقوال.
وحسبنا أن الله يعلم النيات، ويعلم ما قدمناه وما قصدناه، وهو سبحانه خير حافظًا وخير ناصر، وإليه نرفع أمرنا، وعليه نتوكل، وبه نستعين.
وختامًا: حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها وعزها، وحفظ قيادتها وشعبها، ووفقها لكل خير، وجعلها دائمًا منارةً للعطاء وميدانًا للمواقف المشرفة، ونسأله سبحانه أن يؤلف بين قلوب الشعوب، وأن يجنب أمتنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، وأن يرد كيد كل من أراد بها سوءًا في نحره ويجعل دائرة السوء تدور عليه.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.
فالعطاء شرف، والوفاء مبدأ، والكرامة خط أحمر، والتاريخ لا ينسى .