|

من مخلّفات الهدم إلى طرق ذكية

الكاتب : الحدث 2026-01-30 07:50:16

د طلال الحربي 

في خطوة تجسد التكامل المؤسسي والتحول نحو الاقتصاد الدائري، نجحت مبادرة مشتركة نوعية بين الهيئة العامة للطرق والشركة الوطنية للإسكان (NHC) في تحويل تحدٍ بيئي في "وجهة الفرسان" شمال شرق الرياض إلى فرصة ذات قيمة مضافة عالية. تهدف المبادرة إلى إعادة تدوير مخلّفات هدم المباني وتحويلها إلى مواد إنشائية تُستخدم في أعمال سفلتة الطرق بالمنطقة، وهي تترجم على أرض الواقع مذكرة التفاهم الاستراتيجية الموقعة بين الجانبين.

تنبثق هذه الشراكة من إدراك حكيم للروابط الوثيقة بين قطاعي الإسكان والطرق. فمشاريع الإسكان الضخمة التي تقودها NHC تولد كميات كبيرة من مخلّفات البناء والهدم، بينما تحتاج مشاريع تطوير وصيانة الطرق التي تشرف عليها الهيئة العامة للطرق إلى مواد أساسية مستدامة. جاءت هذه المبادرة لسد هذه الحلقة بشكل مبتكر.

أسهمت المبادرة في تجميع نحو 350 ألف متر مكعب من مواد مخلّفات الهدم وإعادة تدويرها للاستخدام في طبقات رصف الطرق الداخلية بوجهة الفرسان. هذا التعاون لا يقتصر على الجانب الفني، بل يشمل تبادل الخبرات والإمكانيات والأفكار المبتكرة بين الجهتين لتحقيق أعلى مستويات الجودة والاستدامة في تنفيذ وصيانة الطرق.

تمثل هذه المبادرة تطبيقًا عمليًا لمفاهيم الاقتصاد الدائري، الذي يحول النفايات إلى موارد، ويدعم التوجهات الوطنية الطموحة في هذا المجال.
و تُسهم المبادرة بشكل مباشر في خفض الانبعاثات الكربونية من خلال تقليل عمليات نقل المخلّفات إلى المدافن والنقل التقليدي للمواد الخام. كما أنها تحافظ على الموارد الطبيعية عبر تقليل الاعتماد على استخراج مواد جديدة كالحصى والرمل.
كما  تتماشى المبادرة مع الهدف الوطني الذي حدده المركز الوطني لإدارة النفايات، والمتمثل في إعادة تدوير 60% من نفايات البناء والهدم بحلول عام 2035. كما أن هناك دراسات بحثية جارية لتوسيع نطاق استخدام ناتج هدم المباني في الخلطات الإسفلتية، مما يعزز الاستدامة.

تأتي هذه الشراكة الناجحة ثمرة لتوجيهات ودعم القيادة الرشيدة، وجهود المسؤولين في كلا الجهتين:

· في الهيئة العامة للطرق: يقود هذا المسار معالي وزير النقل والخدمات اللوجستية رئيس مجلس إدارة الهيئة، المهندس صالح بن ناصر الجاسر، ومعالي الرئيس التنفيذي المكلف للهيئة، المهندس بدر بن عبدالله الدلامي. وقد أشاد الجاسر بالإنجازات الكبيرة لقطاع الطرق، بما في ذلك احتلال المملكة المركز الرابع عالميًا في جودة الطرق بين دول مجموعة العشرين، والمركز الأول عالميًا في ترابط الشبكات. وأكد الدلامي أن شبكة طرق المملكة التي تبلغ نحو 200 ألف كيلومتر تُنفذ وتُشغَّل بأعلى معايير الجودة والسلامة.
· في الشركة الوطنية للإسكان: يقع على عاتق معالي وزير البلديات والإسكان رئيس مجلس إدارة NHC، وسعادة الرئيس التنفيذي للشركة، الأستاذ محمد البطي، مسؤولية قيادة وتنفيذ المشاريع السكنية العملاقة التي تنتج عنها هذه المواد المعاد تدويرها، بالتعاون مع شركاء استراتيجيين مثل الهيئة العامة للطرق.


لا تنفصل هذه المبادرة عن الإطار الاستراتيجي الأوسع لرؤية المملكة 2030 وبرامجها التنفيذية. فهي تدعم بشكل مباشر استراتيجية قطاع الطرق التي ترتكز على ثلاثة مرتكزات رئيسية: السلامة، والجودة، والكثافة المرورية.

وتسعى المملكة، من خلال الهيئة العامة للطرق وشركائها، إلى تحقيق أهداف طموحة بحلول عام 2030، منها:

· الوصول إلى المرتبة السادسة عالميًا في مؤشر جودة الطرق.
· خفض وفيات الطرق إلى أقل من 5 حالات لكل 100 ألف نسمة. وهو هدف يسير على الطريق الصحيح بعد أن انخفضت الوفيات من نحو 28 حالة لكل 100 ألف نسمة عام 2016 إلى حوالي 13 حالة في الوقت الحالي.

تمثل شراكة الهيئة العامة للطرق مع NHC أكثر من مجرد تعاون مشروع بين جهتين حكوميتين. إنها نموذج ملموس للتكامل المؤسسي الفعال الذي يحقق الكفاءة الاقتصادية، ويحمي البيئة، ويرفع من جودة الحياة للمواطن والمقيم. وهي تثبت أن التحديات التنموية الكبرى يمكن تحويلها إلى فرص استثنائية عندما تتضافر الجهود تحت مظلة رؤية موحدة، مما يعزز مسيرة المملكة الثابتة نحو بناء بنية تحتية مستدامة ومرنة تحقق طموحات رؤية 2030.