|

التفاؤل… زاوية النظر التي تغيّر وجه الحياة.

الكاتب : الحدث 2026-02-05 09:15:51

بقلم ـ عبدالله آل شعشاع 

في عالمٍ تتزاحم فيه الأزمات، وتتصدر فيه العناوين القاتمة واجهة المشهد اليومي، يبدو الحديث عن التفاؤل للبعض ضربًا من المثالية أو هروبًا من الواقع. غير أن التفاؤل، في جوهره الحقيقي، ليس إنكارًا للألم ولا تجاهلًا للصعوبات، بل هو موقف واعٍ، واختيار فكري وأخلاقي، يحدد كيفية تعامل الإنسان مع الحياة بكل تناقضاتها.

إن النظر إلى الحياة بعين التفاؤل والوعي الوجودي لا يعني تزييف الواقع أو تلميعه، بل يعني إدراكه بعمق، والقدرة على رؤية الجمال الكامن في تفاصيله رغم قسوته. فالجمال، على عكس ما يُشاع، ليس حالة نادرة أو امتيازًا لحظات الفرح فقط، بل هو شائع ومنتشر في كل ذرات الحياة وأجزائها، غير أن الوصول إليه يتطلب عينًا مدرَّبة على الملاحظة، وقلبًا لم يفقد قدرته على الإحساس.

لقد أثبتت التجارب الإنسانية عبر التاريخ أن المجتمعات والأفراد الذين امتلكوا قدرة على التفاؤل هم الأكثر صمودًا في وجه الانكسارات. فالتفاؤل لا يصنع الوهم، بل يصنع المعنى. وهو الذي يمنح الإنسان قدرة على الاستمرار، وعلى تحويل الألم إلى تجربة، والفشل إلى درس، والخسارة إلى بداية جديدة. ومن هنا، يصبح التفاؤل فعل مقاومة هادئة ضد العبث واليأس.

في السياق ذاته، لا يمكن فصل التفاؤل عن الوعي؛ فالتفاؤل الساذج لا يقل خطورة عن التشاؤم المطلق. التفاؤل الحقيقي هو ذلك الذي يعترف بالمشكلة، ويسميها، ثم يبحث عن أفقٍ ممكن لتجاوزها. إنه وعي نقدي يرى الواقع كما هو، لكنه يرفض أن يكون أسيرًا له. ومن هذا المنطلق، يتحول التفاؤل إلى أداة فكرية تُمكّن الإنسان من إعادة بناء علاقته بالحياة، وبذاته، وبالآخرين.

إن الحياة، حين تُختزل في نتائجها القاسية، تبدو ضيقة وخانقة. أما حين تُرى بوصفها مسارًا مليئًا بالتحولات، فإنها تكشف عن وجوه أخرى أكثر رحابة. فهناك جمال في المحاولة، وفي الصبر، وفي القدرة على النهوض بعد السقوط. وهناك قيمة إنسانية عميقة في الإيمان بأن كل مرحلة، مهما اشتدت، تحمل في داخلها بذور التغيير.

ولعل أخطر ما يواجه الإنسان المعاصر ليس الأزمات بحد ذاتها، بل الاعتياد عليها، والتسليم بأن القسوة قدر نهائي لا يمكن تجاوزه. هنا تحديدًا تتجلى أهمية التفاؤل كقوة وعي، لا كشعار عاطفي. تفاؤل يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح الإنسان مساحة داخلية آمنة، يرى من خلالها الحياة بشكل أكثر توازنًا وإنصافًا.

في الختام، يمكن القول إن التفاؤل ليس وعدًا بسعادة دائمة، بل هو إيمان راسخ بأن الحياة، رغم ما تحمله من ألم وتناقض، ما زالت مليئة بالجمال والمعنى. ومن يختار أن ينظر إليها بهذه العين، لا يرى العالم أقل قسوة فحسب، بل يراه أكثر صدقًا، وأكثر قابلية للحياة.