|

رمضان بين العبادة وضياع الأوقات

الكاتب : الحدث 2026-02-18 05:57:58

المستشار ــ محمد بن سعيد أبوهتله

يهلُّ علينا شهر رمضان كل عام حاملاً معه نفحات الإيمان، ومواسم المغفرة، ومضاعفة الأجور، فهو شهر القرآن، وشهر الصيام، وشهر التوبة والإنابة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
وقال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185].

إن رمضان ليس شهرًا للصيام عن الطعام والشراب فقط، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة، يُهذِّب فيها المسلم نفسه، ويجدد علاقته بربه، ويعيد ترتيب أولوياته. غير أن المؤلم أن يتحول هذا الموسم العظيم عند بعض الناس إلى شهر سهرٍ على المسلسلات، ونومٍ في النهار، وتأخيرٍ للصلوات، وتسويفٍ في قراءة القرآن، حتى ينتهي الشهر ولم يُغتنم كما ينبغي.


الصيام والصلاة .. أركان لا تنفصل ..

الصيام هو الركن الرابع من أركان الإسلام، لكنه لا يقوم مقام الركن الثاني وهو الصلاة، فالصلاة عمود الدين وأعظم أركانه بعد الشهادتين. قال رسول الله ﷺ: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة» ، فكيف يصوم الإنسان ويؤدي ركنًا، ثم يغفل عن ركن أعظم منه؟ وكيف يمسك عن الحلال طاعةً لله، ثم يؤخر الصلاة أو ينام عنها؟ إن الصائم الحقيقي هو من جمع بين الصيام والصلاة، وبين العبادة الظاهرة والباطنة.

رمضان .. شهر القرآن لا شهر السهر ..
من أعظم ما يضيّع بركة رمضان الانشغال بالسهر الطويل على المسلسلات والبرامج التي لا تعود على المسلم بخير، فتضيع ساعات الليل التي هي أثمن أوقات الذكر والقيام، ثم يُقضى النهار في النوم، فتفوت الصلوات أو تؤدى بتكاسل.
قال النبي ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، وهذا الفضل العظيم لا يُنال إلا بالجد والاجتهاد، لا بالغفلة والتضييع.


إن ليالي رمضان مواسم للطاعة .. 
صلاة، وذكر، وتلاوة، ودعاء، وقد كان السلف يتركون كثيرًا من أشغالهم في هذا الشهر ليقبلوا على القرآن خاصة. وكان جبريل عليه السلام يدارس النبي ﷺ القرآن في رمضان، مما يدل على عظم شأن التلاوة فيه.


التسويف في قراءة القرآن آفة خفية ..
كثير من الناس يعزم على ختم القرآن، ثم يؤخر قراءة وِرده اليومي إلى الغد، ثم إلى بعد الغد، حتى تنقضي أيام الشهر سريعًا، ويجد نفسه في آخره ولم يُتم ما أراد.
والعلاج هو الالتزام بالورد اليومي، ولو كان يسيرًا، وعدم التأجيل؛ فالوقت في رمضان ثمين، والأيام تمر كلمح البصر.


الاعتدال في الطعام من تمام العبادة ..
ومن الأخطاء كذلك الإفراط في الأكل عند الإفطار والسحور، حتى يثقل البدن ويكسل عن الصلاة والقيام. وقد قال النبي ﷺ: «ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطنه......»
فالاعتدال يعين على النشاط، ويجعل الصائم مقبلًا على العبادة بقلب حاضر وجسد نشيط.

أهل الأعمال في رمضان… أجر مضاعف..
ونذكر إخواننا العاملين والمداومين في وظائفهم وأعمالهم خلال رمضان بأن أجرهم عظيم بإذن الله، لأنهم يجمعون بين الصيام والتعب والسعي في مصالح الناس وكسب لقمة العيش .وكل جهدٍ يبذل مع الصبر والاحتساب يضاعف الله ثوابه، فهو شهر الكرم الإلهي والفضل الواسع.


الوقت في رمضان رأس مال المؤمن ..
الوقت في رمضان كنز لا يُعوَّض، وهو أيام معدودات سرعان ما تنقضي. قال الحسن البصري رحمه الله: “إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك.”
فحريّ بالمسلم أن يملأ وقته بما ينفعه: صلاة، وذكر، وتلاوة، وصلة رحم، وصدقة، وإحسان.

وصية ونصيحة ..
فلنحرص في هذا الشهر المبارك على:
    •    المحافظة على الصلاة في وقتها، فهي عمود الدين.
    •    عدم السهر فيما لا ينفع، خاصة على المسلسلات التي تستهلك الساعات.
    •    الالتزام بورد يومي من القرآن دون تسويف أو تأجيل.
    •    الاعتدال في الطعام والشراب.
    •    استثمار الوقت في الذكر والعمل الصالح.

نسأل الله كما بلغنا  رمضان أن يعيننا على صيامه وقيامه، وأن يجعلنا فيه من المقبولين، وأن يبارك لنا في أوقاتنا، ويجعل هذا الشهر نقطة تحولٍ في حياتنا نحو الطاعة والاستقامة.