|

عيد الرياض.. في كل حيّ

الكاتب : الحدث 2026-03-22 12:25:44

د طلال الحربي 


لم يكن عيد الفطر هذا العام في الرياض مجرد مناسبة تمر كما تمر سواها، بل كان تجربة مختلفة في ملمسها وروحها، تجربة شعر فيها ساكن العاصمة أن المدينة احتفلت معه لا من أجله فحسب. 
ذلك الفارق الدقيق بين أن تُقام الفعاليات لتُعلَن وبين أن تُصنع لتُعاش، هو ما ميّز برنامج “عيد الرياض” الذي أطلقته أمانة المنطقة هذا العام وجعله حديث الأحياء بكل معنى الكلمة.
الأرقام وحدها تحكي جزءاً من القصة: سبع وسبعون فعالية “حوامة” موزّعة على أحياء العاصمة في الحدائق وساحاتها ، لكن الأعمق من الرقم هو الفكرة التي تقف خلفه. لم تنتظر الأمانة أن يأتي الناس إلى الفرح، بل أخذت الفرح إليهم، إلى الشارع الذي يعرفه الطفل ببصره، والحديقة التي يألفها الجار في مشيته الصباحية. وفي هذا التوزيع الجغرافي الواسع رسالة لا تحتاج إلى تفسير: لا أحد خارج دائرة الاحتفال.

والأجمل في هذه التجربة أنها لم تكن حكراً على الجهة الحكومية وحدها، بل فتحت الباب لمشاركة الجهات غير الربحية وأبناء الأحياء في التنظيم والتنفيذ. وهنا يكمن العمق الحقيقي للمبادرة، إذ حين يصبح المواطن صانعاً للحدث لا متفرجاً عليه، تتبدّل طبيعة علاقته بمحيطه من الصمت إلى الانتماء، ومن التلقي إلى المشاركة. المجتمعات لا تتماسك بالخدمات وحدها، بل تترسّخ بالذكريات المشتركة التي يصنعها الناس معاً.
وكان الأطفال في قلب هذا كله. تلك الحوامات التي شقّت سماء الأحياء لم تكن ألعاباً عابرة، بل كانت لحظات تُكتب في ذاكرة طفل سيحمل أثرها سنوات وسنوات. فمن منّا لا يتذكر عيداً بعينه من طفولته وتفاصيله التي علقت رغم مرور العقود؟ هذا ما تصنعه الفعاليات حين تُوجَّه بوعي نحو الصغار.

وقد كان لي حظ مشاهدة هذا عن كثب حين زرت إحدى هذه الفعاليات في حديقة قرطبة. ما رأيته لم يكن حفلاً يُفتتح ثم يُترك لحاله، بل كان منسوبو قطاع الشرق في أمانة الرياض حاضرين بكامل انتباههم، ماشين بين الزوار والأهالي، أعينهم على كل تفصيل وابتسامتهم لا تفارق وجوههم. ذلك الحضور لا يُؤدَّى بتعليمات إدارية، بل ينبع من شعور حقيقي بالمسؤولية تجاه الناس.
وخلف كل هذا ترى بوضوح بصمة سمو أمين منطقة الرياض الأمير الدكتور فيصل بن عبدالعزيز بن عياف، الذي رسّخ في مؤسسته ثقافة النزول إلى الميدان وعدم الاكتفاء بمتابعة التقارير من بعيد. فحين تتحوّل التوجيهات إلى بسمة على وجه طفل في حيّ بعيد عن الأضواء، فذلك ليس توفيقاً عرضياً، بل هو أثر قناعة راسخة بأن العمل الحكومي في جوهره خدمة إنسانية قبل أن يكون إنجازاً رقمياً.
الرياض تكبر كل يوم ولا تنسى ناسها، وعيدها هذا العام كان خير شاهد.