ابنِ اللَّبون ..
بقلم / ا. د . محمد مباركي
عضو مجلس الشورى
-------------------------------
عيد فطر سعيد على بلادنا وشعبنا العظيم
حمى الله بلادنا المملكة العربية السعودية وأدام الله عز ولاة أمرنا
ففي خضمّ الأزمات والفتن، حيث تختلط الأصوات وتتشابك الروايات، تعود إلى الواجهة حكمةٌ قديمة تُنسب إلى السلف :
“كن في الفتنة كابنِ اللَّبون، لا ظهرٌ فيُركب، ولا ضرعٌ فيُحلب.”
عبارة موجزة، لكنها تختصر منهجًا كاملًا في التعامل مع الفوضى. وبذلك تصبح هذه الحكمة إن صح التعبير رمزًا للحياد الحكيم، الذي لا يُستغل ولا يُوظَّف في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل. في زمن الفتنة، حين يسهل توجيه الناس عبر الشائعات والعواطف، تصبح هذه الحكمة حاجة للأمة .
الفتن اليوم لم تعد تقتصر على ميادين القتال، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي. تغريدة، مقطع، أو رسالة مجهولة المصدر قد تشعل جدلًا واسعًا، وتحوّل المستخدم العادي إلى طرفٍ في معركة لا يعرف أبعادها. هنا تحديدًا تبرز قيمة (ابن اللبون): أن لا تكون أداة في يد طرف، ولا جسرًا لتمرير معلومات مضللة، ولا وقودًا لصراع محتدم.
لكن الحياد المقصود في هذه الحكمة ليس انسحابًا سلبيًا من الواقع، ولا تخلّيًا عن الحق. بل هو امتناع عن الانجرار الأعمى، وتأنٍ في إصدار الأحكام، ووعي بأن بعض المعارك لا تُحسم بالصوت الأعلى، بل بالعقل الأهدأ. أن تكون “كابن اللبون” يعني أن تحفظ نفسك من التورط، وأن تحمي مجتمعك .
العقلاء يرون أن المجتمعات في أوقات الأزمات تحتاج إلى( مخفِّفات توتر)، لا إلى (مضاعِفات صراع). وكل فرد يختار التريث، أو يتحقق قبل النشر، أو يرفض الانحياز غير الواعي، يساهم عمليًا في تقليل حدّة الفتنة. وعلى النقيض، فإن الاندفاع خلف العناوين المثيرة، أو إعادة نشر كل ما يصل، يجعل من الفرد جزءًا من المشكلة لا الحل.
كما أن هذه الحكمة تذكّرنا بمسؤولية الكلمة. فالكلمة في زمن الفتنة ليست مجرد رأي، بل قد تكون شرارة. لذلك يصبح الصمت أحيانًا موقفًا ناضجًا، وليس عجزًا، ويغدو التحقق واجبًا، لا خيارًا.
وفي النهاية، لا تدعو هذه المقولة إلى السلبية، بل إلى الوعي والاتزان. أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تنسحب من جدلٍ لا طائل منه. فليس كل موقف يحتاج إلى تعليق، ولا كل خبر .. حمى الله هذه البلاد الطاهرة المباركة المقدسة من كيد الأعداء
وحفظ الله ملكنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولى عهده الأمين ورئيس مجلس الوزراء الأمير/ محمد بن سلمان بن عبدالعزيز .