|

الأسلحة الحديثة … حين تتحول من أدوات ردع إلى أدوات فوضى

الكاتب : الحدث 2026-03-26 11:49:40

المستشار: محمد بن سعيد أبوهتله

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات السياسية والعسكرية، لم يعد الخطر الحقيقي في امتلاك السلاح بحد ذاته، بل في الجهة التي تمتلكه، وكيفية استخدامه. فالعالم الذي عاش عقودًا طويلة تحت مظلة توازن الردع، بات اليوم أمام معادلة أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد الأسلحة المتطورة والمحرمة  حكرًا على الدول، بل أصبحت ضمن طموحات وأجندات جهات لا تعترف بالدولة أصلًا.

الأسلحة الذكية ،  ليست مجرد أدوات حرب تقليدية، بل هي أسلحة إبادة شاملة، تُغيّر ملامح الأرض قبل أن تُنهي حياة الإنسان. وإذا كانت الدول – رغم خلافاتها – تُدرك خطورة استخدامها وتخضع لضوابط دولية، فإن الخطر الأكبر يكمن في انتقال هذه الأسلحة إلى جماعات مسلحة، تعمل خارج إطار الشرعية، والأعراف الدولية ، ولا تخضع لأي مساءلة سياسية أو أخلاقية.

وفي هذا السياق، يبرز ما يُعرف بـ”نظام الملالي” في إيران بوصفه نموذجًا لإدارة النفوذ عبر أدوات غير تقليدية، حيث اعتمد – وفق ما تشير إليه وقائع المنطقة – على دعم جماعات مسلحة في عدد من الدول، ليس فقط لتعزيز حضوره، بل لخلق واقع من الفوضى يُضعف الدولة الوطنية ويعيد تشكيل موازين القوى.

ففي لبنان، تحولت جماعات مسلحة مدعومة إلى قوة تتجاوز مؤسسات الدولة. وفي العراق، برزت فصائل مسلحة ذات تأثير مباشر في القرار السياسي والأمني. أما في اليمن، فقد بلغ الأمر حد السيطرة على العاصمة صنعاء، وتغيير مسار الدولة بالقوة. وفي سوريا، كادت هذه المقاربة أن تفرض واقعًا مشابهًا، في مشهد يعكس نمطًا متكررًا يقوم على الاستثمار في الفوضى بدلآ من ترسيخ الاستقرار.

هذه الوقائع تعزز طرحًا يرى أن هذا النهج لا يلتزم بالقواعد الدولية أو الأعراف السياسية، بل يتجاوزها نحو دعم كيانات تعمل خارج إطار الدولة. كما أن استخدام الخطابات والمسميات الدينية  كغطاء لهذه السياسات يثير تساؤلات عميقة، إذ يتم توظيف الدين في سياقات سياسية، في حين أن جوهر الأديان قائم على حفظ النفس والاستقرار، لا على نشر الفوضى والصراع.

لكن الخطر الأكبر لا يقف عند حدود دعم الجماعات المسلحة، بل يتصاعد حين نربطه بإمكانية امتلاك أو نقل تقنيات متقدمة، كالصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة، أو حتى الأسلحة المحرّمة. فحين تمتلك جهات غير مسؤولة وغير خاضعة لأنظمة الدولة الحديثة (ذات المسئولية المجتمعية والدولية)   مثل هذه القدرات، فإنها لا تهدد دولة بعينها، بل تضع العالم أمام احتمالات مفتوحة على الفوضى.

وهنا تتجلى الحقيقة الأهم: أن استمرار هذا النهج، مع احتمالية حصول مثل هذه الجهات أو الأنظمة على أسلحة متطورة تقنيًا ونوعيًا، سيجعل الخطر يتجاوز الإقليم ليصبح تهديدًا عالميًا شاملًا. فالعالم لا يواجه مجرد نزاع سياسي، بل يواجه نموذجًا من الفوضى المنظّمة التي قد تتحول – إذا ما اقترنت بأسلحة محرّمة – إلى كارثة كبرى.

ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية لم تعد مسؤولية إقليمية أو ظرفية، بل مسؤولية عالمية مشتركة. فالمجتمع الدولي مطالب اليوم بأن يقف صفًا واحدًا لإيقاف هذه الفوضى، ومنع وصول الأسلحة المتطورة – خصوصًا النووية والجرثومية والكيميائية – إلى جهات لا تلتزم بالقانون ولا تحترم القيم الإنسانية. إن التراخي في هذا الملف لن يكون ثمنه سياسيًا فقط، بل إنسانيًا وحضاريًا على مستوى العالم أجمع.

وفي الختام، فإن أخطر ما يواجه البشرية ليس مجرد امتلاك السلاح، بل سقوطه في أيدي من لا يدرك تبعاته. وإذا لم يتحرك العالم اليوم بحزم، فقد يجد نفسه غدًا أمام واقع لا يمكن إصلاحه، حيث تصبح أدوات الدمار الشامل في خدمة الفوضى، ويكون الثمن هو الإنسان… أينما وجد.