|

حين يعود العمل إليك

الكاتب : الحدث 2026-04-22 01:38:07

بقلم ـــ عبدالله آل شعشاع 

 

في زاوية هادئة من حياتنا اليومية، نمارس أعمالنا وكأنها مجرد مهام عابرة، ننجزها لنطوي الصفحة ونمضي. لكن الحقيقة الأعمق التي كثيرًا ما نتجاهلها هي أن كل ما نصنعه اليوم، سيعود إلينا غدًا بصورة أو بأخرى. هذه ليست مجرد حكمة تقال، بل واقع يتكرر في قصص البشر وتجاربهم.

قصة الموظف الذي كُلّف ببناء منزل، ظنّ أنها فرصة أخيرة قبل تقاعده، فتسلل إليه شعور بالملل والتراخي. لم ينظر إلى العمل باعتباره قيمة أو أمانة، بل مجرد عبء يريد الانتهاء منه بأسرع وقت ممكن. فاختار الطريق الأسهل: مواد رخيصة، جهد أقل، دقة غائبة، ومظهر خارجي خادع يغطي على ضعف الأساس. كان يظن أنه ينجو بفعله، وأنه لن يُسأل عما صنع.

لكن المفاجأة التي قلبت كل شيء، كانت حين أُهدي له المنزل نفسه. هنا فقط، أدرك أن ما بناه لم يكن لغيره، بل كان انعكاسًا لاختياراته هو. فكل إهمال، وكل اختصار، وكل لحظة كسل، تحولت إلى واقع سيعيشه بنفسه. عندها تتجلى الحقيقة القاسية: نحن لا نخدع الآخرين بقدر ما نخدع أنفسنا.

هذه القصة ليست عن بناء منزل فقط، بل عن بناء الحياة بأكملها. عن العمل الذي نؤديه، عن العلاقات التي نصنعها، عن القرارات الصغيرة التي نظنها بلا أثر. فالمعلم الذي يختصر جهده في تعليم طلابه، يساهم في صناعة جيل ضعيف قد يواجهه لاحقًا. والموظف الذي لا يتقن عمله، يضعف المؤسسة التي يعتمد عليها. وحتى الإنسان في أبسط تفاصيله اليومية، حين يتهاون في الأمانة أو الجودة، فإنه في الحقيقة يضع أساسًا هشًا لمستقبله.

الإتقان ليس رفاهية، بل هو موقف أخلاقي. أن تعمل بإخلاص، حتى حين لا يراك أحد، هو ما يصنع الفرق الحقيقي. لأن العمل ليس مجرد نتيجة نهائية، بل هو انعكاس لقيمك. وكل ما تقدمه اليوم، هو استثمار في الغد، سواء أدركت ذلك أم لا.

المشكلة الكبرى أن كثيرًا من الناس يربط جودة العمل بالمكافأة المباشرة. إن لم يرَ تقديرًا فوريًا، تراجع أداؤه. إن لم يجد حافزًا ظاهرًا، اكتفى بالحد الأدنى. لكنه يغفل أن أعظم المكافآت ليست دائمًا فورية، وأن بعض النتائج تتأخر لتظهر في اللحظة التي لا يتوقعها.

حين تعمل بإتقان، أنت لا تبني منتجًا فقط، بل تبني سمعة، وثقة، وشخصية. تبني نفسك قبل أي شيء آخر. وحين تتهاون، فإنك تضعف هذا البناء من الداخل، حتى لو بدا قويًا من الخارج.

الرسالة التي تحملها هذه القصة بسيطة لكنها عميقة: لا تعمل بنصف قلب، ولا تعش بنصف مسؤولية. لأن ما تزرعه اليوم، ستجنيه غدًا، وربما في أكثر اللحظات التي تحتاج فيها إلى نتائج ما صنعت.

في النهاية، الحياة ليست إلا مشروعًا طويلًا نبنيه بأيدينا. فإما أن نبنيه بإخلاص فيكون مأوى آمنًا، أو نبنيه بإهمال فنجد أنفسنا عالقين داخله. الخيار دائمًا لنا… لكن النتائج لا ترحم.