|

الحُبّ .. رزق

الكاتب : الحدث 2026-05-07 04:09:51

بقلم : د. محمد بن مرضي 

ليس كل ما يُطلب يُنال ولا كل ما يُنال يُحفظْ .. إلا الحُبّ .. حينما يكون رزقًا ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حبّ زوجته أم المؤمنين خديجة (إني رُزِقت حُبّها) ، الحُب الذي يأتيك دون تكلّف ويستقر في قلبك دون ضجيج ، ويمنحك شعور الطمأنينة لا القلق .. ذاك ليس صدفة عابرة بل عطاءٌ خفيّ ، كأنّه قُدِّر لك قبل أن تعرف كيف تطلبه. 
نحن نظن أحيانًا أن الحُب مهارة أو حيلة اجتماعية أو نتيجة لذكاء عاطفي مكتسب ، لكن علم النفس الحديث يهمس بشيء مختلف تماماً : فتُشير دراسات التعلّق (Attachment Theory) إلى أن القدرة على الحُب الصحي ليست مجرد اختيار واعٍ ، بل نتاج تفاعل معقّد بين تاريخنا النفسي وأنماط إرتباطنا الأولى واستعداداتنا العاطفية العميقة ، ومع ذلك فإن لقاء شخص يمنحك أمانًا عاطفيًا حقيقيًا ، ويوقظ فيك أفضل ما فيك يظل خارج نطاق السيطرة الكاملة .. أقرب إلى “الرزق” منه إلى “الإنجاز” .
وفي دراسة نُشرت في Journal of Social and Personal Relationships، وُجد أن العلاقات التي تقوم على الدعم العاطفي المتبادل والشعور بالأمان النفسي ترتبط بمستويات أعلى من الرضا عن الحياة والصحة النفسية ، وكأن الحُب هنا لا يكون مجرد علاقة بل موردًا داخليًا يعيد بناء الإنسان من الداخل.
فالحُب لا يُقاس بمدى شدّته فقط بل بقدرته على أن يكون مأوى ، وفي عمق تراثنا الإسلامي نجد أن هذا المعنى لم يكن غريبًا .. يقول النبي ﷺ :“الأرواح جنود مجندة ، ما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف” وهذا الحديث لا يصف مجرد الانجذاب بل يلمّح إلى أن هناك توافقًا خفيًا سابقًا للقاء ، يُحدد من سنحب ومن سنشعر معه بالألفة وكأن الحُب هنا امتداد لانسجام قديم لا يمكن تفسيره عقلياً بالكامل ، بل هو إقرار بأن الحُب الحقيقي يجد كماله في الاستقرار لا في التقلّب .. فالحُب الذي هو رزق .. لا يتركك في حالة شك دائم بل يقودك إلى يقين هادئ.
لكن لماذا يبدو الحُب رزقًا عند البعض وابتلاءً عند آخرين ؟ علم النفس يجيب جزئيًا عن هذا السؤال : فالأشخاص الذين يحملون أنماط تعلّق آمنة (Secure Attachment) يميلون إلى جذب علاقات أكثر استقرارًا ، لأنهم لا يخافون القرب ولا يهربون منه ، أما من يحملون جراحًا قديمة فقد يجدون أنفسهم في دوائر من الحُب القلِق أو المتجنّب ، لكن رغم ذلك لا يمكن اختزال الحُب في معادلة نفسية بحتة .. لأننا نرى أحيانًا أشخاصًا يتجاوزون تاريخهم ، ويُرزقون بحب يُرمّمهم ولا يُعيد كسرهم .. وهنا يكمن سرّ “الرزق” ، أن يُعطى الإنسان ما لم يكن يظن أنه يستحقه ، في الوقت الذي لم يكن يتوقعه ، بالطريقة التي لم يكن يعرف أنه يحتاجها.
الحُب الذي هو رزق .. لا يُشعرك بأنك في اختبار، ولا يجعلك تراقب نفسك طوال الوقت ، ولا يضعك في مقارنة مستمرة ، بل هو ذلك الذي يجعلك تقول بهدوء : “أنا هنا كما أنا .. وهذا يكفي” ، هو الذي لا يستنزفك لتُثبت قيمتك بل يعكسها لك دون طلب ، هو الذي لا يُربكك بل يعيد ترتيبك.
ولعل أجمل ما في الحُب أن يكون رزقاً ، لأنه لا يُرى فقط في لحظات الشغف ، بل في التفاصيل الصغيرة : في الصبر، في الاحتواء ، في الغفران ، في البقاء رغم التعب .. في أن يجد كلٌ منكما في الآخر سكنًا ، لا ساحة صراع ، يقول الله تعالى : “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً”
السكن قبل الحب .. والمودّة والرحمة قبل الشغف .. لأن ما كان رزقًا .. لا يجيء ليُربكك بل ليُطمئنك ، قد لا نملك أن نُجبر الحُب أن يأتي ، لكننا نملك أن نكون مستعدين له : أن ننضج ، أن نتصالح مع أنفسنا ، أن نتعلم كيف نُحب دون خوف .. وحين يأتي سنعرفه ليس لأنه الأقوى .. بل لأنه رزق .