بين الذكرى والجنون سرعةٌ وفنون!
بقلم: د/ سلمان الغريبي
ويمضي العُمر سريعاً، وتبقى أحلى الذكريات عالقةً في القلب والعقل والوجدان. والأحزان مهما كانت نتجاهلها ونتركها في عالم النسيان.
فنتذكر الأهل والأحبة والأصحاب والجيران والمساكن والأماكن والطرقات، ونتذكر حلاوتها بكل ما فيها ولا ننساها. ونحن في صراع دائم مع النفس ومع مستلزمات الحياة الجديدة، تكون دافعاً جميلاً ورائعاً لنا للاستمرار وحب البقاء.
وتمضي الأيام مسرعةً ونحن ما زلنا نتصارع في معترك سِرّ هذه الحياة وتغيراتها المتسارعة مع كل زمان وفي كل مكان بشتى صورها: العاقل فيها والمجنون، والمعقول واللامعقول.
ويظل الصراع مستمرًا مع استمرار الحياة لكي نكون أو لا نكون، ونتغير أو لا نتغير. وتتشعب بنا المسارات وتتعدد الاتجاهات، ولا بد لنا هنا من الاختيار كي تستمر بنا الحياة بتوفيق من الله ثم بالحكمة والتريث والاختيار السليم، بعيداً كل البعد عن ضغوطات الحياة وما يكتنفها من أساليب دخيلة علينا لم نُربَّ عليها أو نتعودها.
وهنا يكون المحك الحقي للرجل أو المرأة في اتخاذ القرار الصائب للخروج بسفينتهما إلى بر الأمان دون أي خسائر تُذكر بعون الله وتوفيقه، أو بأقلها إن أمكن لا قدر الله، ثم بقيادتهما الواعية وحكمتهما وفطنتهما وعدم التسرع والتهور في اتخاذ أي قرار، من قريب كان أو من بعيد.
وخصوصًا في هذا الزمن المجنون الغريب والعجيب في التطورات، السريع في التغيرات والاختراعات، فيجب علينا فيه أن نتمسك بالأصول والثوابت ونواكب العقول والتطورات. فالتطور بلا ثوابت ضياع، والثبات بلا تطور تأخر وخراب.
وخاصةً في زمنٍ أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع والفتنة منتشرة بشكلٍ سريع، فلا ينجو إلا من كان له ميزان راسخ من الدين الحق والخلق الرفيع.
فالاختراعات قد تغيّر أدوات الحياة، لكنها لا تغيّر مبادئ الحق والخلق والصدق والأمانة. فتمسك بأخلاقك كما تتمسك بحبلٍ في بحرٍ متلاطم للنجاة، لأن السرعة أصبحت سمة من سمات العصر. فالسرعة بلا تفكير هلاك وخراب لما تم بناؤه، فلا تكن فقط مستهلكًا لكل جديد، بل كن منتجاً واعياً يسأل عن الفائدة للاستفادة منها، والضرر للابتعاد عنه.
فلنتعلّم ونتأقلم ونساير تيار الحياة الجديدة بكل توابعها وبحرصٍ شديد. فعَلّموا أبناءكم وبناتكم أن يستفيدوا من التكنولوجيا الحديثة بشتى صورها، وأن لا يكونوا عبيداً لها ويُسخّروها للعلم والفائدة والتطور والنماء وخدمة البشرية كافة بما يرضي الله.
وأن يتمعنوا في الماضي ويفهموه، كيف كان بحلاوته وذكراه الجميلة ويربطوه بالمستقبل، ليبنوا مستقبلاً زاهرًا بالعلم والمعرفة. فالجيل الذي لا يعرف أين كان لا يعرف أين يكون وإلى أين يذهب وماذا يريد!
ولْيكن شعارهم: "أصالةٌ في المبادئ والقيم، ومرونةٌ وسرعةٌ في الأساليب والإنجازات، وثباتٌ في الأهداف التي نصبو إليها جميعًا ".