|

ذاكرة الثقافة السعودية

الكاتب : الحدث 2026-07-11 07:28:19

بقلم خليل القريبي 
مستشار إعلامي 

جاءت موافقة مجلس الوزراء على تحويل وحدة «الأرشيف الثقافي» في وزارة الثقافة إلى "مركز ذاكرة الثقافة السعودية" في توقيت مهم جداً، نلمس فيه نمو القطاع الثقافي المحلي بشكل متسارع على مستوى المبادرات والمؤسسات والإنتاج المعرفي والإبداعي، وهو ما يضع ملف التوثيق الثقافي أمام مرحلة جديدة من العمل المؤسسي والتنظيمي.

عشنا طوال السنوات الأخيرة، وما زلنا نعيش حراكاً ثقافياً واسعاً شمل الأدب والفنون والمسرح والموسيقى والتراث والمتاحف والمكتبات، إلى جانب إطلاق برامج ومشروعات أسهمت في توسيع حضور ثقافتنا محلياً ودولياً. ومع اتساع هذا المشهد وتزايد منجزاته، تعاظمت الحاجة إلى جهة وطنية كبرى تتولى جمع الذاكرة الثقافية للمملكة وحفظها وتنظيمها وفق منظومة موحدة تضمن استدامتها وإتاحتها للأجيال القادمة.

إن هذا القرار يعالج قضية ترتبط بطبيعة العمل الثقافي ذاته، حيث تتوزع الوثائق والصور والتسجيلات والمواد المعرفية بين جهات ومؤسسات ومبادرات متعددة، الأمر الذي يؤكد أهمية وجود مرجعية وطنية تتولى تنظيم أعمال الحصر والتوثيق والأرشفة الرقمية، وتعمل على توحيد المعايير وبناء قاعدة معلومات أكثر تكاملاً ودقة. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من القيمة التاريخية والمعرفية للمحتوى الثقافي المحلي الذي يحوي الوثائق والمخطوطات والصور والتسجيلات والإنتاجات الأدبية والفنية، والتي تمثل سجلاً لمسيرة المجتمع وتحولاته الفكرية والإبداعية عبر العقود، وتوفر أيضاً مادة معرفية مهمة للباحثين والمؤرخين والمهتمين بدراسة تطور الحياة الثقافية في المملكة. وكما قلت إن توقيت إنشاء المركز مهم، لأنه جاء متزامناً أيضاً مع التحول الرقمي الذي تعيشه كل القطاعات في المملكة، حيث أصبحت الأرشفة الرقمية جزءاً أساسياً من إدارة المعرفة وحفظها، وأن حجم الإنتاج الثقافي المتنامي يفرض أدوات أكثر قدرة على جمع المحتوى وتنظيمه وحمايته من التشتت، بما يضمن بقاءه متاحاً للباحثين والمهتمين وصناع القرار في المستقبل.

ومن المناسب في تقديري، أن تمتد أعمال المركز مستقبلاً إلى جمع الروايات الشفوية والشهادات الشخصية المرتبطة بالمشهد الثقافي الوطني، لكون الكثير من تفاصيل الحركة الثقافية ربما لم تُوثق في كتب أو وثائق رسمية، وإنما بقيت محفوظة في ذاكرة الأدباء والفنانين والمثقفين والرواد الذين أسهموا في تشكيل المشهد الثقافي عبر عقود، وتوثيق هذه الشهادات سيضيف بُعداً معرفياً مهماً إلى الذاكرة الثقافية، ويمنح الأجيال القادمة صورة أكثر اكتمالاً عن المراحل التي مرت بها ثقافتنا الوطنية وتطوراتها المختلفة.

وفي النهاية، تبقى قيمة أي مشروع توثيقي مرتبطة بما يتيحه من معرفة للأجيال اللاحقة، لأن الوثيقة والصورة والتسجيل والشهادة الشفوية تتحول مع مرور الزمن إلى مصادر لفهم التاريخ الثقافي وقراءة تحولات المجتمع. ومن هذه الزاوية، يفتح مركز ذاكرة الثقافة السعودية الباب أمام بناء رصيد معرفي تتجاوز فائدته الحفظ والأرشفة إلى خدمة البحث والدراسة وصناعة المحتوى الثقافي في السنوات المقبلة.