|

حين يكون الكرم عنوان الإنسان

الكاتب : الحدث 2026-07-14 07:20:51

بقلم : محمد  العتيّق


ليست جميع المعالم التي تستوقف الزائر مباني تاريخية أو مواقع أثرية، فهناك معالم يصنعها الإنسان بأخلاقه، ويخلدها بكرمه وحسن سيرته، حتى تصبح جزءًا من ذاكرة المكان.

وفي محافظة الزلفي، التابعة لمنطقة الرياض، والتي عُرفت بتاريخها العريق وموقعها الذي جعلها محطة للقوافل قديمًا، يبرز معلم من نوع مختلف، يتمثل في الوجيه عبدالرحمن بن محمد البداح، المعروف بـ «أبو بداح»، والذي يناديه الجميع محبةً «يُبَه»، وهي كلمة دارجة تعني الأب، وتعكس ما يحظى به من مكانة وتقدير في نفوس الناس.


كانت معرفتي بهذا الرجل عن طريق الزميل الإعلامي الأستاذ ناصر الحميدي، وكانت من المعارف التي يحمد الإنسان الله عليها. فمنذ اللقاء الأول تشعر وكأنك تعرفه منذ سنوات، يستقبلك ببشاشة، ويحيطك بترحيب صادق، حتى يخيل إليك أنك ضيف طال انتظاره. وما يلبث هذا الشعور أن يتأكد حين ترى أنه يعامل جميع زواره بالمودة نفسها والاهتمام ذاته.


ويقع مجلسه العامر عند مدخل الزلفي من جهة القصيم، حتى أصبح مقصدًا لكثير من زوار المحافظة، يلتقون فيه، ويستأنسون بحديث صاحبه، ويستفيدون من خبراته وتجارب السنين. ولم يعد هذا المجلس مجرد منزل، بل غدا معلمًا اجتماعيًا ارتبط باسم الزلفي، لما يمثله من أصالة الضيافة وكرم الاستقبال.


ومن المشاهد التي تبعث على السرور أن أبناءه وأحفاده، بل وأحفاد أحفاده، يلتفون حوله في مجلسه، يتسابقون إلى خدمته ورعايته، في صورة تجسد بر الوالدين، وصلة الرحم، وتوقير الكبير، وهي قيم أصيلة ما زالت حاضرة في المجتمع السعودي.


ورغم تقدمه في السن، يحرص أبو بداح على حضور مناسبات الناس، ومواساتهم، وزيارة مرضاهم، وأداء واجب العزاء، متحملًا مشقة السفر والتنقل، في موقف يعكس وفاءه وإحساسه بالمسؤولية الاجتماعية، وهي أعمال لو اعتذر عنها في مثل سنه لما لامه أحد.


وليس الحديث هنا عن أبي بداح وحده، فمحافظة الزلفي تزخر برجال عُرفوا بالوفاء، وطيب المعشر، وكرم الأخلاق، ومعرفتهم مكسب إنساني حقيقي، لأنهم يجسدون القيم التي نشأ عليها الآباء والأجداد، ويقدمون الصورة المشرقة لأبناء هذا الوطن.


إن الحديث عن هذه النماذج ليس توثيقًا لسيرة أشخاص فحسب، بل احتفاء بقيم تستحق أن تُروى، فالإنسان بأخلاقه قد يصبح معلمًا من معالم المكان، وأثرًا يبقى في الذاكرة أكثر من أي بناء أو موقع. وإذا كانت الزلفي تفخر بتاريخها ومعالمها، فإنها تفخر كذلك برجالها، الذين جعلوا من الكرم، والتواضع، وحسن اللقاء، رسالةً يعيشونها كل يوم، وفي مقدمتهم الوجيه عبدالرحمن بن محمد البداح «أبو بداح»، الذي سيظل مجلسه شاهدًا على أن أجمل ما يميز الأوطان هو الإنسان.