|

من يسرق وعينا ..؟!حين تصبح الوقاحة صناعة محتوى

الكاتب : الحدث 2026-07-20 08:55:42

بقلم : باسمة الضويمر
--------------------------
لم تعد معركة هذا العصر تُخاض بالسلاح وحده، بل بالكلمة والصورة والمشهد المتكرر. فما يُعرض اليوم عبر البثوث المباشرة لا يمر مرور الكرام، بل يتسلل إلى العقول، ويعيد تشكيل المفاهيم، حتى يصبح ما كان مستهجنًا بالأمس مألوفًا اليوم، وما كان مرفوضًا يُقدَّم على أنه حرية أو جرأة أو مجرد “صناعة محتوى”.

لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة يتنافس فيها البعض على جذب الانتباه، لا بما يقدمه من علم أو فكر أو إبداع، وإنما بما يثير الجدل ويصدم المتلقي. ولم يعد السباق على جودة المحتوى، بل على عدد المشاهدات، والهدايا، والتفاعل، حتى لو كان الثمن تجاوز حدود الأدب، أو الحياء، أو الذوق العام.

والأكثر إثارة للقلق أن بعض البثوث المباشرة أظهرت نماذج من الشباب والفتيات يتعاملون مع الوقاحة وكأنها جرأة، ومع تجاوز الحدود وكأنه عفوية، حتى أصبحت ألفاظ وسلوكيات لم يكن المجتمع يتقبلها تُعرض أمام آلاف المتابعين دون أدنى شعور بالمسؤولية. وما كان يُستحى من فعله في المجالس الخاصة، أصبح يُمارس على الهواء مباشرة بحثًا عن الشهرة أو “الترند”.

وهنا يبرز سؤال مهم: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟

الإجابة ليست في يوم واحد، ولا في مقطع واحد، وإنما في التكرار. فالقيم لا تنهار فجأة، وإنما تُستنزف بالتدريج. فما نستنكره اليوم، قد نعتاده غدًا، ثم نتوقف عن انتقاده، حتى يصبح جزءًا من المشهد اليومي. وهنا تبدأ أخطر مراحل التأثير؛ حين يفقد المجتمع حساسيته تجاه السلوكيات التي كانت تُعد خروجًا عن منظومته الأخلاقية.

وقد أدرك علماء الاجتماع والإعلام منذ زمن أن تغيير الوعي لا يبدأ دائمًا بتغيير القوانين، بل يبدأ أحيانًا بتغيير المصطلحات. فالكلمات ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أدوات لإعادة تشكيل المفاهيم. فعندما يُطلق على الوقاحة اسم “جرأة”، وعلى الابتذال اسم “عفوية”، وعلى تجاوز القيم اسم “تحرر”، فإن المشكلة لا تكون في الكلمة وحدها، بل في المعنى الذي تزرعه في عقول الناس.

إن أخطر ما يحدث اليوم هو تمييع المفاهيم، حتى يختلط على الأجيال الفرق بين الحرية والفوضى، وبين الثقة بالنفس وقلة الحياء، وبين صناعة المحتوى وصناعة الإسفاف. فليس كل ما يجذب الانتباه يستحق الاحترام، وليس كل ما يحقق ملايين المشاهدات يمثل نجاحًا حقيقيًا.

ولا يعني هذا أن وسائل التواصل الاجتماعي شر مطلق، أو أن جميع صناع المحتوى يسيرون في هذا الاتجاه. فهناك نماذج مضيئة أثبتت أن الكلمة الهادفة، والمعلومة النافعة، والمحتوى الراقي، قادر على الوصول والتأثير. لكن المشكلة تكمن في أن المحتوى الهابط أصبح يجد من يدعمه ويكافئه بالانتشار، بينما يتراجع المحتوى الهادف إذا لم يجد جمهورًا يمنحه الاهتمام نفسه.

إن الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات الثقافية، جميعها تتحمل مسؤولية بناء وعي يحصّن أبناءنا من الانسياق خلف كل ما يُعرض. لكن المسؤولية تبدأ أيضًا من الفرد نفسه؛ فكل مشاهدة هي رسالة، وكل إعجاب هو دعم، وكل مشاركة هي تصويت لاستمرار ذلك المحتوى.

إننا لا نخشى على مجتمعنا من التقنية، بل من الاستخدام الذي يفرغها من رسالتها، ويجعلها أداة لتطبيع السلوكيات التي تتعارض مع قيمنا وأخلاقنا. فالأمم لا تُهزم حين تفقد وسائلها، وإنما حين تفقد معاييرها، ويصبح المعروف غريبًا، والمنكر مألوفًا.

إن معركة هذا العصر ليست على الشاشات، بل في العقول. وإذا كان تغيير وعي المجتمعات يبدأ أحيانًا بتغيير المصطلحات، فإن حماية الوعي تبدأ بالتمسك بالقيم، وإحياء التفكير الناقد، وعدم السماح للتكرار بأن يحوّل الخطأ إلى عادة، أو الوقاحة إلى محتوى، أو الشهرة إلى مبرر للتخلي عن الأخلاق. فالمجتمعات لا تتغير فجأة، وإنما تتغير حين نصمت طويلًا أمام ما كان ينبغي أن نقف عنده.