حين يُصبح الصمت موسيقى… عبدالله عبود في “هجير” يكتب ما لا يُسمع
الحدث - آيات موسى
في فيلم هجير، لا تُروى الحكاية بالكلمات فقط، بل تُكتب بنبضٍ خفي، يتسلل إلى الروح دون استئذان. هناك، حيث يفقد البطل سمعه، تبدأ مفارقة عجيبة: كيف يمكن لمن لا يسمع أن يُبدع موسيقى تُسمِع العالم كله؟
الإجابة لم تكن في القصة وحدها، بل في الرجل الذي وقف خلف هذا العالم السمعي العميق: عبدالله عبود ، الذي لم يكن مجرد موسيقار للفيلم، بل كان أحد أعمدته الشعورية، وأحد وجوهه الدرامية أيضاً، حين جسّد شخصية الأب في العمل.
لم يتعامل عبدالله عبود مع موسيقى هجير كخلفية، بل ككائن حي… يتنفس، يتألم، ويُعبّر.
الموسيقى التصويرية التي وضع ألحانها لم تكن تُرافق المشاهد، بل كانت تقودها، تُمسك بيد المتلقي وتدخله إلى أعماق البطل، حيث العتمة ليست غياب صوت، بل ولادة إحساس.
في كل مقطع موسيقي، تشعر أن هناك قصة تُروى دون كلمات…
أنينٌ يتحول إلى لحن، وصمتٌ يتحول إلى رسالة.
ولم يكن هذا التكوين الفني وليد الصدفة، بل جاء نتيجة رؤية مشتركة، حيث تولّى المايسترو ياسر ماجد توزيع الأغنية الرئيسية والموسيقى التصويرية، مضيفاً لها بعداً أوركسترالياً يمزج بين العمق الشرقي والامتداد العالمي، بينما جاءت موسيقى النهاية بتوقيع مختلف، حملت ألحان عبدالله عبود أيضاً، لكن بتوزيع المايسترو بيتر عطا، لتكون خاتمة لا تُغلق الفيلم… بل تفتحه داخل الوجدان.
لكن ما يميّز تجربة العبود في هجير، ليس فقط أنه لحّن، بل أنه “فهم”.
فهم أن القصة لا تتحدث عن فقدان السمع… بل عن استعادة الذات.
وفهم أن الموسيقى هنا ليست ترفاً، بل ضرورة… كأنها الصوت الذي عجز البطل عن امتلاكه، فامتلكه العالم من خلاله.
وعندما يظهر عبدالله عبود على الشاشة بدور الأب، لا يبدو كممثل يؤدي دوراً، بل كامتداد طبيعي لذلك الصوت الخفي… حضور هادئ، لكنه مُحمّل بالمعنى، يُشبه تماماً موسيقاه: لا تصرخ، لكنها تُغيّر كل شيء.
في هجير، لم يكن الصمت نهاية…
بل كان بداية كتابة جديدة، عنوانها:
أن أعظم الأصوات… هي تلك التي لا تُسمع، بل تُحَس