"من مكة بدأت المعادلة الجديدة"
أ.د. محمد بن علي مباركي
عضو مجلس الشورى وكاتب رأي
------------------------------
لم تعد المنطقة العربية والإسلامية تحتمل أن يبقى أمنها رهيناً لتحالفات الآخرين، أو أن تنتظر القوى الكبرى لتقرر متى تتدخل، ومتى تنسحب، ومن يستحق حمايته ومن يمكن التضحية به. ما يجري اليوم يتجاوز حدود الأزمات المتفرقة؛ فنحن أمام إعادة تشكيل حقيقية لموازين القوة، ومن لا يصنع موقعه في هذه المعادلة سيجد نفسه مجرد رقم فيها.
من هنا تأتي أهمية اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان. فالقضية ليست في اسم الاتفاق، ولا في البيانات السياسية التي رافقته، بل في الرسالة الاستراتيجية التي يحملها: الدول الإسلامية الكبرى بدأت تدرك أن أمنها لا يمكن أن يبقى مجزأً، وأن القوة المنفردة، مهما بلغت، لا تكفي أمام عالم تحكمه التكتلات والتحالفات.
وللمرة الأولى منذ سنوات، تظهر أمام العالم نواة يمكن أن تتطور إلى منظومة أمنية إسلامية ذات وزن حقي. السعودية تملك الثقل السياسي والاقتصادي والديني والجيوسياسي، وتركيا تمتلك جيشاً قوياً وصناعة دفاعية متقدمة وموقعاً استراتيجياً استثنائياً، فيما تمتلك باكستان قوة عسكرية ونووية وخبرة طويلة في المجال الدفاعي. هذه ليست دولاً هامشية يمكن تجاهلها. إنها ثلاث قوى قادرة، إذا أحسنت تنسيق قدراتها، على تغيير حسابات الأمن الإقليمي.
ولهذا فإن وصف المشروع إعلامياً بأنه «منظمة الحلف الإسلامي» ليس مجرد عنوان صحفي مثير. فالفكرة الجوهرية ليست استنساخ حلف الناتو الغربي، وإنما بناء مظلة أمنية تنطلق من احتياجات العالم الإسلامي نفسه، وتستند إلى قدراته الذاتية، بدل أن تظل الحماية الخارجية هي الخيار الأول والأخير.
أوروبا بنت منظومة دفاع جماعي، والدول الآسيوية طورت شراكات أمنية متقدمة، والقوى الكبرى تتحرك ضمن شبكات وتحالفات متشابكة. فلماذا يُطلب من الدول الإسلامية أن تبقى منفردة، وأن تتعامل مع كل أزمة باعتبارها حالة استثنائية!
الواقع أن العالم لا يحترم الفراغ. وكل فراغ أمني تتركه الدول لنفسها ستملؤه قوى أخرى، وفق مصالحها هي، لا وفق مصالح المنطقة.
إن بناء منظومة أمنية إسلامية لا يعني إعلان الحرب على أحد، ولا يعني تشكيل محور ضد محور. على العكس، فإن أقوى رسالة يمكن أن تحملها مثل هذه المنظومة هي أن الدول الإسلامية تريد السلام، لكنها لن تقبل أن يكون السلام مرادفاً للضعف، ولن تجعل ضبط النفس ذريعة للتنازل عن أمنها.
الرياض وأنقرة وإسلام آباد تعمل على جعل اتفاق مكة نقطة تحول حقيقية. والخطوة التالية في اعتقادي هي تأسيس أمانة للمنظمة، وتعيين أمين عام يدير مؤسسات وآليات عملية: تدريبات مشتركة، وتبادل استخباراتي، وأمن سيبراني، وصناعات دفاعية مشتركة، وأنظمة إنذار مبكر، وحماية للممرات البحرية والمنشآت الحيوية، وتنسيق سياسي في مواجهة الأزمات.
وهنا تحديداً تبرز مسؤولية المملكة العربية السعودية. فالسعودية تملك ما لا تملكه كثير من الدول مجتمعة: الثقل السياسي، والقدرة الاقتصادية، والموقع الجغرافي، والمكانة في العالم الإسلامي. ولذلك فإن دورها لا ينبغي أن يتوقف عند المشاركة في التحالف، بل يمكن أن يمتد إلى قيادة رؤية أمنية إسلامية أكثر استقلالاً وتوازناً.
المطلوب ليس تحالفاً عاطفياً، ولا تجمعاً مؤقتاً تفرضه أزمة وتنتهي بانتهائها. المطلوب تحالف مصالح وقوة ومؤسسات؛ تحالف يعرف متى يفاوض، ومتى يردع، ومتى يستخدم قوته لمنع الحرب قبل اندلاعها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الاعتماد الكامل على الآخرين في حماية أمن المنطقة خيار مكلف ومحفوف بالمخاطر. والتحولات الدولية الحالية تؤكد أن عصر الضمانات المفتوحة قد انتهى، وأن كل دولة مطالبة ببناء قدرتها على حماية مصالحها.
وفي اعتقادي أن مكة بدأت تضع الأساس لاستقلال أمني إسلامي طال انتظاره!
وبداية تحول استراتيجي كبير ينقل العالم الإسلامي من موقع المتلقي للترتيبات الأمنية التي يصنعها الآخرون، إلى موقع الشريك الذي يصنع قواعد اللعبة ويحدد معادلات الردع والاستقرار في محيطه.
ودعوة إلى امتلاك القوة التي تجعل الحرب أقل احتمالاً.