|

حين يتحدث الواقع يتجلى الأثر في التعليم

الكاتب : الحدث 2026-09-04 07:09:26

بقلم: علي بن أحمد الزبيدي

"عضو جمعية تبجيل التعليمية"

في التعليم قد نجد مديرًا ووكلاء صاغوا خططًا محكمة وقادوا اجتماعات متكررة، ورائد نشاط ملأ الأوراق بمئات البرامج، وموجهًا طلابيًا تراكمت على مكتبه أوراق حالات وإحالات طلابية، وأوراق حملت توقيع أولياء الأمور، وموجهًا صحيًا جعل عيادته مزارًا، ومعلمًا ملأ حصته شرحًا، وسبورة الفصل ألوانًا، وجدران الفصل عروضًا؛ كل ذلك الجهد لم يكن طلبًا للشهرة بل استشعارًا للأمانة، ومن المؤسف أنّ ذلك كله يبقى سرابًا يحسبه الضمآن ماءً، فليست العبرة بما نكتبه في الخطط، ولا بما نرصّه في الملفات، ولا بعدد البرامج التي ننفذها؛ لأن ذلك كله يبقى في خانة الوسائل؛ فالغاية الأسمى هي الأثر، ومن هنا تبدو قيمة التقويم المدرسي في انتقاله بالمدرسة من مجرد توثيق الممارسة إلى النظر في نتائجها وما أحدثته من تغيير حقيقي ومستدام.

ومع تصنيف المدارس في أربعة مستويات: التهيئة، والانطلاق، والتقدم، والتميز، يصبح السؤال أكثر وضوحًا: أين نحن من الأثر؟ وهل ما نفعله اليوم ترك فرقًا يمكن أن نراه غدًا؟

ولأن المدرسة منظومة متكاملة، فإن الأثر مسؤولية الجميع، فمدير المدرسة هو قائد الاتجاه وصانع الثقافة؛ ومن خلال قيادته تتحول الخطط من أوراق إلى ممارسات، ومن الممارسات إلى نتائج، وليس المهم أن تكون الخطة محكمة فحسب، بل أن تقود إلى تحسن يمكن ملاحظته وقياسه.

أما الوكلاء، فعلى اختلاف اختصاصاتهم، يلتقون عند غاية واحدة، فوكيل شؤون الطلاب يقاس أثره بما يتركه في سلوك الطلاب وانضباطهم وانتمائهم، ووكيل شؤون المعلمين بما يحدثه من نمو مهني ينعكس على جودة التعليم، بينما يظهر أثر وكيل الشؤون المدرسية في البيئة الآمنة والمنظمة والمحفزة التي تحتضن التعلم.

وكذلك الموجه الطلابي؛ فنجاحه لا يقاس بعدد الحالات والبرامج، وإنما بما يتغير في الطالب بعد التوجيه، وورائد النشاط لا تصنعه كثرة الفعاليات، بل قدرته على تحويل النشاط إلى تجربة تبني مهارة، أو تغرس قيمة، أو تكشف موهبة. أما الموجه الصحي، فثمرة عمله الحقيقية حين تتحول التوعية من معلومة مسموعة إلى سلوك يمارس.

ويبقى المعلم في قلب المعادلة، فقد يقدم حصة متميزة في إعدادها وأدائها وتفاعل طلابها، لكن ذلك كله لا يكفي إذا لم يظهر أثرها في تعلم الطالب ونتائج تحصيله الدراسي والاختبارات الوطنية والدولية، فالحصة الناجحة ليست التي تنتهي بإعجاب الطلاب، وإنما التي تنتهي بتعلمهم وتطوّر مستواهم.

وهنا يجب أن ننتقل من سؤال: ماذا أنجزنا؟ إلى أسئلة أعمق: ماذا تغير؟ ما الدليل؟ ومن المستفيد؟ وهل استمر الأثر؟

إن المدرسة التي تنفذ عشرات المبادرات دون أن تعرف نتائجها، قد تكون أقل تقدمًا من مدرسة تنفذ مبادرات محدودة، لكنها تعرف أثر كل مبادرة وتبني عليها قراراتها، فليست كثرة العمل دليلًا على جودته، كما أن جمال الخطة لا يعني بالضرورة جودة المخرجات.

همسة الختام:

في الميدان التربوي، قد تُغلق الملفات، وتنتهي البرامج، وتُنسى التقارير؛ لكن الأثر الحقيقي لا ينتهي بانتهاء الورق، لأنه يبقى في طالب تغيّر، ومعلم تطور، وسلوك تحسن، ومدرسة تقدمت.

فلا تسأل: ماذا فعلنا؟
بل اسأل: ماذا تغيّر بسبب ما فعلناه؟

فحين يصبح الأثر شاهدًا على العمل، لا يعود التميز شعارًا يُرفع، بل حقيقة تُرى وتُلمس وتستحق أن تُروى.