العادات بين الأصالة والمباهاة
بقلم المستشار ــــ محمد بن سعيد أبوهتلة
شهدت بعض محافظات المنطقة الجنوبية في الآونة الأخيرة ظاهرةً اجتماعيةً أخذت في الاتساع، تتمثل في المبالغة في بعض مناسبات الزواج والمناسبات الاجتماعية، ولا سيما عندما يكون لصاحب المناسبة نسبٌ أو قرابةٌ بإحدى القبائل الأخرى، فيُطلب من أقاربه في تلك القبيلة الحضور بجماعاتهم مرتدين لباسهم التقليدي، وتُقام الصفوف، وتُقرع الطبول، وتُعدُّ الموائد، ثم تُوثَّق تلك المشاهد بالتصوير، حتى غدت في كثير من الأحيان مظهراً للمفاخرة أكثر من كونها مناسبةً اجتماعيةً لإشهار الزواج وإعلان الفرح.
وهذه المظاهر لم تكن من العادات التي عُرف بها أهل المنطقة الجنوبية عبر تاريخهم؛ فقد عاش الآباء والأجداد سنواتٍ كان فيها الفقرُ أشدَّ، والرزقُ أقلَّ، والحياةُ قائمةً على الكدِّ والعملِ في الزراعةِ ورعيِ الماشية، ومع ذلك كانت مناسباتُهم عامرةً بالمحبةِ والتآلفِ، بعيدةً عن التكلفِ والإسرافِ، وكان الاهتمامُ ينصبُّ على إكرامِ الضيفِ وإظهارِ الفرحِ بما تيسرَ، دون مبالغةٍ أو مباهاة.
ولا شك أن ما تنعم به بلادنا اليوم، بفضل الله تعالى، من أمنٍ واستقرارٍ ورخاءٍ في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان ـ حفظهما الله ـ، نعمةٌ عظيمةٌ تستوجب الشكر، غير أن شكر النعمة يكون بحسن استثمارها والاعتدال في مظاهرها، لا بتحويل المناسبات إلى ميادين للتفاخر وإثقال كاهل أصحابها بما لا حاجة إليه.
إن استمرار هذه المظاهر قد يفتح باب المنافسة غير المحمودة بين الناس، فيسعى كل صاحب مناسبة إلى تجاوز غيره في حجم الحضور وكثرة الولائم والمظاهر، حتى تصبح الأفراح عبئاً اجتماعياً ومالياً، بعد أن كانت مناسبةً للألفة وصلة الرحم وإشهار النكاح.
إن المحافظة على العادات الأصيلة لا تعني الجمود، ولكنها تعني التمسك بجوهرها القائم على الكرم، والتواضع، وصلة الرحم، والتكافل، بعيداً عن المظاهر التي لا تضيف إلى المناسبة قيمةً، ولا تزيدها بهجةً، بل قد تُحمِّل أصحابها ما لا يطيقون، وتدفع غيرهم إلى التقليد بدافع المجاراة.
وقد أحسن الشاعر حين قال:
إذا كنتَ في نعمةٍ فارْعَها
فإنَّ المعاصي تُزيلُ النِّعَمَ
وحافظْ عليها بشكرِ الإلهِ
فإنَّ الإلهَ سريعُ النِّقَمِ
فحريٌّ بنا أن نحافظ على أصالة عاداتنا، وأن نميز بين الكرم الحقيقي الذي عُرف به آباؤنا وأجدادنا، وبين المباهاة التي قد تُفقد المناسبات روحها ومعناها، وتجعلها سباقاً في المظاهر لا في القيم.