|

قبل "الأكشن".. هنا يبدأ دور مصمم الديكور

الكاتب : الحدث 2026-08-30 10:10:13

عارف أحمد
كاتب فني

حين يشاهد الجمهور فيلمًا أو مسلسلًا، فإنه لا يرى الممثلين وحدهم، بل يدخل إلى عالم صُمم بعناية؛ بيت الشخصية، الشارع، المكتب، القصر أو القرية، وصولًا إلى أدق التفاصيل التي تخبرنا عن الزمن والمكان والحالة الاجتماعية والنفسية للشخصيات . 
خلف هذا العالم يقف مصمم الديكور، بوصفه أحد أهم صنّاع الصورة في العمل الدرامي .

لكن من المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح، اختزال مسؤولية مصمم الديكور في وجوده المستمر داخل موقع التصوير.
فالمهنة تبدأ قبل تشغيل الكاميرا بوقت طويل: من تحليل النص والبحث البصري، إلى وضع التصاميم وتحديد الألوان والخامات والأثاث والإكسسوارات، ثم الإشراف على التنفيذ حتى يصبح الموقع جاهزًا للتصوير .

وعندما يبدأ التصوير لا تنتهي مسؤوليته، بل تتحول إلى الإشراف على سلامة الرؤية البصرية ومعالجة المتغيرات . ومع ذلك، فإن وجوده الشخصي طوال ساعات التصوير ليس المعيار الوحيد للحكم على أدائه؛ فطبيعة الإنتاج قد تفرض عليه، بعد تسليم موقع اليوم، الانتقال إلى معاينة أو تنفيذ وتجهيز موقع آخر للأيام المقبلة، بينما يتولى فريقه المختص المحافظة على التصميم المعتمد في موقع التصوير.

وهنا تظهر أهمية الهيكل الصحيح لقسم الديكور وتوزيع المسؤوليات بين المصمم ومساعديه وفريق التنفيذ والإكسسوارات . ولا يُفضل، بل يُمنع التدخل المباشر لتحجيم الصلاحيات المفروضة عليه بطبيعة عمله في تكوين الفريق وتوجيه مساعديه لتنفيذ التصور النهائي للعمل . وإذا اختل هذا التنظيم وتدخلت فيه جهات أخرى (مثل: المنتج، المخرج، مشرف الإنتاج، أو مدير الإنتاج) بشكل مباشر أو غير مباشر، فإن المسؤولية تقع على من أخلّ بالنظام والهيكل التنظيمي للفريق أو لقسم الديكور . أما التغييرات الجوهرية التي تمس التصميم أو الهوية البصرية، فمن الطبيعي أن تستوجب الرجوع إلى المصمم وتدخله المباشر .

لذلك، فإن السؤال المهني ليس: هل كان المصمم واقفًا بجوار الكاميرا طوال الوقت؟ بل: هل سُلّم الموقع جاهزًا؟ وهل نُفذت الرؤية المتفق عليها؟ وهل حافظ العمل على هويته البصرية؟ . وقبل هذه الأسئلة: هل تم رصد ميزانية الديكور للعمل كاملاً وبالشكل المهني الصحيح؟ هل يعلم المنتج أهمية هذا القسم وعليه رصد الميزانية المناسبة؟ هل يستطيع فريق الإنتاج التكفل بسرعة الإنجاز والقدرة على توفير المتطلبات؟ .

عادةً ما يتم تحجيم عمل مصمم الديكور من خلال الميزانيات الضعيفة، والتقشف الإنتاجي، وضعف خبرة المنتج بالأعمال الضخمة التي تستهلك مواد أولية، وأيدٍ عاملة، وإكسسوارات، وخبرات، وتوريد. فمصمم الديكور ليس مجرد رسام يرسم صور المواقع والشكل التخيلي؛ بل هو في النهاية مهندس بصري يُكوّن الصورة البصرية للعمل . وإذا وُضع المصمم في أعمال هزيلة أو ضعيفة إنتاجيًا، أو مع شركات لا تملك خبرة، فمن الطبيعي جداً ألا يُعرف دوره الحقيقي؛ ليس لغموض فيه، بل لجهل فاضح من الجهة المنتجة بأهميته .
فنجاح مصمم الديكور لا يبدأ عند كلمة «أكشن»؛ بل إن جزءًا كبيرًا من نجاح المشهد يكون قد صُنع قبل أن ينطق المخرج بها .