|

الكتاب صديق لا يرفع صوته

الكاتب : الحدث 2026-09-09 08:42:02

ا.د. محمد بن علي مباركي
عضو مجلس الشورى وكاتب رأي


في حياة كل إنسان أصوات كثيرة؛ أصوات تدعوه إلى الإسراع، وأخرى تشتت انتباهه، وثالثة تملي عليه كيف يفكر، وماذا يحب، وبماذا ينشغل. وبين هذا الضجيج كله، يقف الكتاب في هدوءٍ مدهش، لا يطرق بابك بإلحاح، ولا يزاحم أحدًا على وقتك، ولا يرفع صوته ليجذب انتباهك. إنه ينتظر بصبر، حتى إذا مددت يدك إليه، فتح لك عالمًا لم تكن تعلم أنه يسكن بين دفتيه.

ولعل هذه هي أعظم خصال الكتاب؛ أنه لا يفرض نفسه على أحد، لكنه يكافئ كل من يقترب منه. فلا يمنح قارئه معلومات فحسب، بل يمنحه طريقةً جديدة في النظر إلى الحياة. وما أكثر ما تغيرت قناعات، واتسعت آفاق، وانقلبت مصائر، بسبب كتاب وقع في يد صاحبه في اللحظة المناسبة.

الكتاب لا ينافس الناس في محبتهم، بل يعيننا على محبتهم أكثر. فمن يقرأ كثيرًا، يفهم الإنسان أكثر، ويعذر ضعفه أكثر، ويحسن الإصغاء إليه أكثر. فالقراءة ليست تكديسًا للمعارف، وإنما تهذيبٌ للنفس، وتوسيعٌ لأفقها، وتحريرٌ لها من ضيق الأحكام المتعجلة.

في الماضي، كان الناس يسافرون الأسابيع ليجلسوا بين يدي عالم، أو يبحثوا عن مخطوطة نادرة، لأنهم أدركوا أن المعرفة لا تقل قيمة عن الذهب. أما اليوم، فقد أصبحت الكتب أقرب إلينا من أي وقت مضى، لكن المفارقة أن المسافة بين الإنسان والقراءة اتسعت. لم يعد الوصول إلى الكتاب هو المشكلة، بل الوصول إلى السكينة التي تسمح لنا بقراءته.

لقد أصبحنا نعتاد النصوص القصيرة، والعناوين الخاطفة، والمقاطع السريعة، حتى صارت عقولنا تميل إلى ما يمر بسرعة، لا إلى ما يبقى طويلًا. ومع الزمن، خسرنا شيئًا ثمينًا؛ خسرنا القدرة على الصبر مع فكرة، وعلى مرافقة مؤلف في رحلة فكرية تمتد مئات الصفحات، وعلى منح عقولنا فرصة للتأمل بدل الاكتفاء بالانطباع.

وليس الكتاب مجرد أوراق تُقلب، بل حوار صامت بين عقلين؛ عقل الكاتب الذي عاش التجربة، وعقل القارئ الذي يعيد اكتشافها. وكل كتاب جيد هو عمر إضافي نعيشه دون أن نغادر أماكننا. فمن خلاله نسافر إلى حضارات لم نرها، ونجالس حكماء رحلوا منذ قرون، ونفهم قلوبًا تنبض في أقاصي الأرض.

ومن أجمل ما في الكتاب أنه لا يحكم على قارئه. لا يسخر من بطء فهمه، ولا يمل من كثرة أسئلته. تستطيع أن تغلقه إذا تعبت، ثم تعود إليه بعد أيام أو سنوات، فتجده في المكان نفسه، كصديق وفيّ لم يعاتبك على طول الغياب.

وحين نتأمل سير العظماء، نجد أن كثيرًا منهم لم يكن يملك في بداياته مالًا وفيرًا ولا جاهًا عريضًا، لكنه كان يملك عادةً واحدة غيّرت حياته: القراءة. فقد أدرك أن الإنسان لا يولد كبيرًا بعمره، وإنما يكبر بما يختزنه عقله، وما يرقى به فكره، وما يتهذب به وجدانه.

وليس المقصود أن نهجر التقنية، فهي من أعظم منجزات عصرنا، ولكن أن نحسن استخدامها، وألا نسمح لها بأن تختزل المعرفة في ومضات عابرة. فبعض الأفكار لا تُفهم في دقيقة، وبعض الحكم لا تُختصر في سطر، وبعض الكتب لا تُقرأ بعينٍ مستعجلة، لأنها كالبساتين؛ كلما تمهلت في السير بينها، ازددت اكتشافًا لجمالها.

وربما لهذا كانت أول كلمة نزل بها الوحي على قلب نبينا وسيدنا محمد عليه السلام هي ﴿اقرأ﴾، وكأن الرسالة الخالدة أرادت أن تخبر البشرية أن طريق النهضة يبدأ من عقل يقرأ، وقلب يتأمل، وإنسان لا يكتفي بما يعرف، بل يظل تلميذًا للحياة ما دام فيها نفس يتردد.

إن الكتب لا تطلب منا كثيرًا؛ ساعةً من وقت، وقليلًا من الصبر، وعقلًا مفتوحًا. لكنها، في المقابل، تمنحنا ما لا تمنحه الأيام وحدها: خبرات لا نعيشها بأنفسنا، وحكمة لم ندفع ثمنها من أعمارنا، ونورًا يبدد شيئًا من ظلمة الجهل وضيق الأفق.

ولهذا، إذا شعرت يومًا أن العالم أصبح أكثر ضجيجًا، فلا تبحث أولًا عمن يرفع صوته، بل ابحث عن كتاب. فالصديق الحقيقي ليس دائمًا من يتحدث كثيرًا، بل من يضيف إلى روحك ما يبقى بعد أن ينتهي الحديث. والكتاب هو الصديق الذي لا يرفع صوته، لكنه يغيّر حياتك بصمت.