|

حروب الوكالة

الكاتب : الحدث 2026-09-17 09:19:59


أ.د. محمد بن على مباركي 
عضو مجلس الشورى وكاتب رأي

ليست كل الحروب تُخاض بين جيوش نظامية تواجه بعضها في ساحات القتال، وليست كل النزاعات تُعلن فيها الحرب رسميًا. ففي العقود الأخيرة، أصبح العالم يشهد نمطًا مختلفًا من الصراعات، تتنافس فيه القوى الكبرى والإقليمية من خلال أطراف أخرى، فيما يُعرف بـ حروب الوكالة.
إنها حروب لا تتواجه فيها الدول الكبرى بصورة مباشرة، لكنها تمارس نفوذها عبر دعم أطراف محلية أو إقليمية، سياسيًا أو اقتصاديًا أو عسكريًا، لتحقيق أهدافها الإستراتيجية دون الانخراط في مواجهة مباشرة قد تكون باهظة الكلفة. ويُعد هذا النوع من الصراعات قديمًا في فكرته، لكنه ازداد انتشارًا خلال الحرب الباردة، حين تنافس الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة في مناطق مختلفة من العالم، من دون أن يدخلا في حرب مباشرة بينهما. فقد دعمت كل قوة أطرافًا مختلفة في نزاعات إقليمية، سعيًا إلى توسيع النفوذ والحفاظ على توازن القوى.
واليوم، ورغم انتهاء الحرب الباردة، لم تختفِ حروب الوكالة، بل تغيرت أشكالها وأدواتها. فأصبحت بعض النزاعات المحلية تتداخل فيها مصالح قوى متعددة، تقدم أشكالًا مختلفة من الدعم لحلفائها، سواء عبر التدريب، أو التسليح، أو التمويل، أو الدعم الاستخباراتي، أو المساندة السياسية والدبلوماسية. وتكمن خطورة حروب الوكالة في أنها غالبًا ما تُطيل أمد النزاعات، لأن الأطراف المحلية لا تعتمد على مواردها الذاتية فقط، بل تتلقى دعمًا من جهات خارجية، مما يجعل الوصول إلى تسوية سياسية أكثر تعقيدًا.
كما أن هذه الحروب لا تقتصر آثارها على أطراف النزاع، بل تمتد إلى الدول المجاورة، فتؤدي إلى موجات نزوح، وتعطل التنمية، وتؤثر في التجارة، وأمن الطاقة، والاستقرار الإقليمي، وقد تتحول إلى أزمات إنسانية تستمر لسنوات. ومن الناحية السياسية، تتيح حروب الوكالة للدول الداعمة تحقيق بعض أهدافها مع تقليل مخاطر المواجهة المباشرة. لكنها في المقابل قد تؤدي إلى سوء تقدير، أو تصعيد غير مقصود، إذا اتسع نطاق النزاع أو تشابكت مصالح أطرافه.
ومع تطور التكنولوجيا، اتخذت حروب الوكالة أبعادًا جديدة. فلم يعد الدعم يقتصر على السلاح والتمويل، بل أصبح يشمل الهجمات السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والحملات الإعلامية، والتأثير في الفضاء الرقمي، مما جعل الحدود بين الحرب التقليدية وغير التقليدية أكثر ضبابية.
لهذا تشير كثير من المؤشرات إلى أن حروب الوكالة ستظل أحد أبرز أنماط النزاعات في عالم يتجنب فيه كثير من اللاعبين الدوليين المواجهات العسكرية المباشرة بين القوى الكبرى. غير أن استمرار هذا النمط يفرض تحديات كبيرة على القانون الدولي، والعمل الإنساني، والاستقرار الإقليمي، لأنه يجعل النزاعات أكثر تعقيدًا وأطول زمنًا.