|

الرياض مدينة تسمع سكانها

الكاتب : الحدث 2026-01-18 02:25:51

د.طلال الحربي 

في مدينة تتسع رقعتها وتتعقّد تحدياتها البلديّة يومً بعد يوم، تبرز قصة تحوّل أمانة منطقة الرياض كنموذج ملهم يعيد تعريف العلاقة بين المدينة وسكانها. فأمانة الرياض وامينها صاحب السمو الأمير الدكتور فيصل بن عبدالعزيز بن عياف ، لم يعد الهدف مجرد تقديم خدمات، بل بناء ثقة مجتمعية من خلال تجربة عميل استثنائية، تتخطى حواجز المساحة والبيروقراطية لتصل إلى قلب كل حي وكل مراجع.
فقد
واجهت الرياض تحديًا فريدًا يتمثل في إدارة الحياة اليومية لملايين السكان في عاصمة شاسعة. وكان الحل عبر برنامج "تحول الرياض البلدي" الطموح، والذي انتقل من نموذج المركزي التقليدي إلى نظام اللامركزية التشغيلية. تم تقسيم العاصمة إلى خمسة قطاعات تشغيلية كبرى بدلاً من 16 بلدية فرعية، حيث يعمل كل قطاع بكفاءة إدارة ذاتية، مدعومة بمركز موحد للحوكمة الرقمية يضمن التكامل والشفافية. هذا التحول جعل القرارات تُتخذ من الميدان، معتمدة على بيانات لحظية دقيقة، مما يختصر المسافة بين المواطن والخدمة.
في صلب هذا التحول توجد مكاتب "مدينتي" المنتشرة في قلب الأحياء السكنية. هذه المكاتب ليست فروعًا إدارية تقليدية، بل هي جسور إنسانية ورقمية تربط السكان مباشرة بالأمانة. لقد تحولت من مجرد مكاتب استقبال بلاغات إلى مساحات للتفاعل والحوار، تبنى عليها علاقة ثقة متينة. فكرة "مدينتي" تجسد الفلسفة الجديدة للعمل البلدي: أن تكون البلدية جارك قبل أن تكون إدارتك. وهي تمكّن المواطن من تقديم أي خدمة بلدية يحتاجها من أقرب فرع، أينما كان موقعه في هذه المدينة المترامية الأطراف.
لضمان نجاح هذه التجربة، أطلقت الأمانة مركزًا متخصصًا لتجربة العميل يعمل بمنهجية علمية. لا يعتمد المركز على الشكاوى العابرة، بل يتبع نظامًا دقيقًا لـ "صوت العميل" يجمع الملاحظات عبر قنوات متعددة مثل الاتصال الهاتفي على رقم 940، والاستبيانات الإلكترونية والميدانية، ومجموعات التركيز،  على وسائل التواصل الاجتماعي. يتم بعدها تحليل هذه البيانات باستخدام منصات ذكاء اصطناعي متطورة لفهم التحديات ونقاط الملاحظات ، وتحويلها إلى توصيات عملية لتحسين الخدمات وتصميم رحلات العميل من جديد.
يبرز دور القيادة الحكيمة لسمو أمين منطقة الرياض كحافز رئيسي لهذا النجاح. حيث يحرص سموه على المتابعة الشخصية الميدانية للتحول ومشاركة السكان تقييمهم. تكرر هذا في مبادرات مثل "قهوة مع الأمين" التي يلتقي خلالها بأهالي الأحياء، ليستمع مباشرة إلى اقتراحاتهم التطويرية.
كما يكرم سموه باستمرار فرق العمل المتميزة،. 
هذا النهج القيادي لا يرفع الروح المعنوية فحسب، بل يؤكد أن تحسين التجربة هو أولوية يشترك فيها الجميع

لا يخلو هذا المسار الطموح من تحديات جسيمة، أبرزها:
· بناء كفاءات بشرية جديدة تجمع بين الذكاء الرقمي والفهم الإنساني للمدينة.
· إدارة التكامل الخدمي المعقد مع الجهات الحكومية الأخرى.
· تحقيق الاستدامة التشغيلية لمشاريع التحول الكبرى.
· كسب الثقة المجتمعية وتحويل الخدمة من "روتين معاملة" إلى "تجربة انتماء" حقيقية.

الرياض اليوم، وبتفاني منسوبي الأمانة، لا تمر بمجرد تغيير إداري. إنها تشهد تحولاً حضاريًا يجسد ركائز رؤية 2030: مجتمع حيوي شريك، واقتصاد مزدهر كفء، ووطن طموح في إدارة حياته اليومية. لقد انتقلت العاصمة من نموذج المدينة الذكية التي تعتمد على التقنية، إلى نموذج المدينة الواعية التي تضع الإنسان في صلب اهتمامها، وتستمع إليه، وتتعلم منه، لتصنع معه تجربة عيش كريمة تليق بمستقبلها العالمي.