العلم الشمس التي لا تغيب.
بقلم ــ علي بن أحمد الزبيدي
في كل عام يشرق اليوم الرابع والعشرون من يناير كفجرٍ جديد، يذكّر العالم بأنّ العلم هو الشمس التي لا تغيب، وأنّ التعليم هو السبيل الذي تهتدي به الأمم نحو الفضاء الرحب للمستقبل.
إنّ اليوم العالمي للتعليم ليس يومًا عابرًا في روزنامة العام، بل هو وقفة تأمل في معنى النهضة، وفي سرّ قيام الحضارات، وفي قيمة الإنسان حين يُضاء عقله، وتُفتح أمامه أبواب المعرفة، فالتعليم ليس كتابًا بين يدي طالب فحسب، ولا درسًا يمرّ ثم يُنسى؛ بل هو صناعة للحياة نفسها، ونحتٌ دقيق لملامح المستقبل، هو الخيط الأول في نسيج الأمم، والنبضة التي تسبق نهضتها، والجسر الذي تعبر عليه الشعوب من ضفة الجهل والجمود إلى ضفة الوعي والإبداع، وما من حضارةٍ نهضت، ولا دولةٍ ارتقت، إلا وكان التعليم جذوتها الأولى، ووقودها الأعظم.
إنّ الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذي لا يخيب، فالمدرسة ليست جدرانًا فقط، والمعلم ليس موظفًا فقط ، والطالب ليس رقمًا في سجل، بل كلّ واحدٍ من هؤلاء جناحٌ يحلّق بالمجتمع نحو مدارات أوسع، ولولا العلم لما وُلدت الأفكار، ولا ازدهرت المدن، ولا قامت المصانع، ولا اتسعت الآفاق، فالتعليم هو الذي يُنبت في الإنسان شجاعة السؤال، وجرأة التفكير، ورغبة الاكتشاف، وقدرة مواجهة تحديات هذا العالم المتسارع.
وللمعلّم - ذلك السراج الذي لا ينطفئ - مكانة لا يطويها الزمن، ولا تخفتها الأيام، فهو الذي يزرع البذرة الأولى، ويهدي الطفل نحو الطريق الواسع، ويبدد ظلمة الجهل بكلمة، ويوقظ في النفوس عطش المعرفة.
المعلّم ليس ناقلًا للمعلومات، بل صانع أجيال، ومهندس عقول، يُشعل شرارة الفهم، وينسج في طلابه قيم التفوق، والصدق، والإصرار. وحين نقف احترامًا للمعلم، فنحن في الحقيقة نقف احترامًا للمستقبل ذاته.
لقد تغيّر العالم، وتبدّلت أدواته، وتسارعت خطى المعرفة؛ فأصبح التعليم مطالبًا بأن يتطور، وأن يغدو أكثر قدرة على مجاراة عصرٍ تتبدل فيه التقنيات كل يوم، ويُعاد تعريف المهارات كل لحظة. لم تعد المدرسة مكانًا للتلقين، بل فضاءً للتفكير، ولطرح الأسئلة، ولإبداع الحلول، والطالب اليوم لا يحتاج إلى معلّمٍ يقول له ماذا يحفظ؟ أو ماذا يقرأ، أو ماذا يكتب، بل إلى معلّمٍ يعلمه كيف يرى، وكيف يفهم، وكيف يصنع طريقه بيديه، وكيف يفكر ويبدع، 3فالتعليم الحقّ ليس تلقينًا، بل تحريرٌ للعقل من قيوده.
إنّ اليوم العالمي للتعليم ليس ترفًا بل تذكيرٌ بأن التعليم شأن الجميع؛ فالأسرة شريكة، والمدرسة شريكة، والمجتمع بأسره شريكٌ في رسم ملامح الغد، فلا نهضة بلا علم، ولا علم بلا طالب يجتهد، ولا طالب بلا معلّم يوجّه، ولا معلّم بلا وطن يدعمه ويمنحه المكانة التي يستحقها.
همسة الختام
يبقى التعليم هو القصيدة الأولى في ديوان الحضارة، وهو البذرة التي تُنبت غدًا أوسع، وسماءً أرحب، وآمالًا لا تنتهي، ومن خلال الاحتفاء بهذه المناسبة، نعيد القول بثقةٍ ويقين: إن بناء الإنسان هو الخطوة الأولى نحو بناء وطنٍ يليق بأحلام أهله، وإن المستقبل يفتح أبوابه دائمًا لمن جعل من التعليم منهجًا، ومن العلم دربًا، ومن المعرفة طريقًا لا ينقطع .