|

السعودية في دافوس: من المشاركة إلى صناعة التأثير

الكاتب : الحدث 2026-01-30 07:51:08

 

بقلم: د. محمد الأنصاري 
أستاذ القانون الدولي 

---------------------------------
في كل عام، يجتمع قادة الاقتصاد العالمي في منتدى دافوس لتبادل الخبرات والأفكار حول مستقبل الأسواق العالمية. هذا العام، أبرزت المملكة العربية السعودية مرحلة جديدة في مسارها الاقتصادي، حيث أصبح التركيز على الإنجازات الملموسة والنتائج الفعلية، ما يعكس دورًا نشطًا وتأثيرًا حقيقيًا على الساحة الدولية.

المشاركة السعودية جاءت نتيجة جهود متواصلة لتعزيز التنوع الاقتصادي والانفتاح على الشراكات الدولية، عبر خطوات عملية وإصلاحات هيكلية أعادت صياغة الاقتصاد الوطني. لذلك، كان الحضور في دافوس فرصة لعرض تجربة واقعية، وتحويل السياسات الاقتصادية إلى نتائج ملموسة، بعيدًا عن الخطاب النظري أو التوقعات المستقبلية.

وعند مقارنة هذا الحضور بما كان عليه في السنوات السابقة، يظهر بوضوح التحول في المحتوى والطابع؛ فبينما كانت المراحل الأولى تركز على شرح التوجهات وأهداف الرؤية، أصبح الحديث اليوم يدور حول ما تحقق فعليًا من استقرار مالي، وتحسن في بيئة الأعمال، وارتفاع في جاذبية الاقتصاد للاستثمار.

خلال المنتدى، شارك المسؤولون السعوديون في نقاشات شملت قضايا عالمية رئيسية، مثل تعزيز قدرة الاقتصادات على مواجهة التحديات، وأهمية الاستثمار طويل الأمد، ودور الاستقرار في دعم سلاسل الإمداد، بالإضافة إلى تطوير رأس المال البشري بوصفه عنصرًا أساسيًا في التنافسية الاقتصادية. هذه المداخلات أكدت انتقال المملكة من مجرد متابع للتغيرات الدولية إلى شريك فاعل يسهم في توجيهها.

وأشار المسؤولون إلى أن الإصلاحات الهيكلية والاستثمارات الاستراتيجية أسهمت في تعزيز مرونة الاقتصاد، ورفعت قدرة المملكة على التكيف مع التحولات العالمية. كما أن تحسن تدفقات الاستثمار الأجنبي يعكس ثقة متزايدة في وضوح السياسات واستقرار الأطر التنظيمية، مع التركيز على شراكات طويلة الأمد تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني.

وعلى صعيد الإنسان، جرى التأكيد على أن التحول الاقتصادي لا يقتصر على المؤشرات المالية، بل يشمل الاستثمار في القدرات الوطنية وتمكين الشباب والمرأة، باعتبارهما عناصر محورية في تعزيز تنافسية المملكة وزيادة جاهزيتها لمواجهة تحديات المستقبل.

ولم يقتصر الحضور على النقاشات، بل تُرجم عمليًا عبر توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم مع جهات دولية في مجالات الاستثمار، والاقتصاد الجديد، وتنمية القدرات المؤسسية. هذه الخطوات تؤكد التوجه نحو تحويل الحوار العالمي إلى شراكات واقعية ومستدامة.

ويبقى البعد الاستثماري من أبرز ملامح المشاركة السعودية في دافوس؛ فالمستثمر العالمي يبحث عن وضوح السياسات، واستمرارية القرار، واستقرار البيئة الاقتصادية. وقد ساهم حضور المملكة المتوازن في تعزيز هذه الثقة، وترسيخ مكانتها كشريك طويل الأمد.

باتت السعودية اليوم في دافوس أكثر من مجرد حضور رمزي؛ فهي تعرض تجربة اقتصادية قائمة على نتائج واقعية، وشراكات فاعلة، ورؤية واضحة للمستقبل. حضورها لم يعد بهدف المتابعة أو التعريف، بل بهدف التأثير والمشاركة في صياغة النقاش الاقتصادي العالمي، باعتبارها شريكًا موثوقًا واقتصادًا قادرًا على التكيّف والمساهمة في رسم ملامح المرحلة القادمة.